الساعة السادسة من النهار لم يذكر فضيلة من راح فيها وليست بوقت قعود الإمام على المنبر ولا بوقت استماع الذكر منه والحديث يقتضي أنه في ذلك الوقت ترتفع فضيلة الرواح وتحضر الملائكة للذكر وإن ذلك متصل بالساعة الخامسة وهذا باطل باتفاق فثبت أنه لم يرد به الساعة الخامسة من ساعات النهار لأن الساعة السادسة تفصل بينهما وبين الخامسة وإذا بطل ذلك ثبت أنه إنما أريد به أجزاء من الساعة السادسة وتلك الساعة يصح تجزئتها على خمسة أجزاء وأقل وأكثر ودليل ثان من الحديث وهو أنه - صلى الله عليه وسلم - قال ثم راح في الساعة الأولى والرواح إنما يكون بعد نصف النهار أو ما قرب من ذلك.
(مسألة) :
وإذا ثبت ذلك فإن مالكا - رحمه الله - كره الرواح إلى الجمعة عند صلاة الصبح رواه عنه ابن القاسم.
وقال ابن حبيب هو المختار والكلام عليه على نحو ما تقدم والمشي إلى الجمعة أفضل إلا أن يتعبه ذلك لماء وطين أو بعد مكان والأصل في ذلك ما رواه عباية بن رفاعة قال أدركني أبو عيسى وأنا أذهب إلى الجمعة فقال سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول «من اغبرت قدماه في سبيل الله حرمه الله على النار» .
(فصل) :
وقوله فإذا خرج الإمام يريد به خرج عليهم في الجامع لأنه خرج مما كان مستورا فيه من منزل أو غيره وقوله حضرت الملائكة يستمعون الذكر كلام يدل على انقطاع فضيلة التهجير إلى الجمعة في ذلك الوقت لأنه روي في حديث أبي عبد الله الأغر عن أبي هريرة أن الملائكة يكتبون الأول فالأول وعلى مقدار ذلك جعل في الحديث فضائلهم وأن الملائكة يطوون صحفهم إذا جلس الإمام واستمعوا الذكر بمعنى أنه لا تكتب فضيلة من يأتي ذلك الوقت ويحتمل أن يكون هؤلاء الملائكة غير الحفظة لأن الحفظة لا يفارقون بني آدم ولعل هؤلاء مخصوصون بكتب هذا العمل.
(ص) : (مالك عن سعيد بن أبي سعيد المقبري عن أبي هريرة أنه كان يقول «غسل
يوم الجمعة واجب على كل محتلم كغسل الجنابة» ) .
(ش) : قوله غسل يوم الجمعة إضافة الغسل إلى يوم الجمعة بمعنى أنه لا يخلو
اليوم من إتيان الجمعة وقوله واجب على ما ورد في الحديث المذكور بعد هذا.
وقد روي عن أبي هريرة موقوفا بغير هذا اللفظ رواه طاوس عن أبي هريرة قال قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «لله على كل مسلم حق أن يغتسل في كل سبعة أيام يوما» وطاوس أثبت من سعيد المقبري ولفظ الحق يكون بمعنى الوجوب ويكون بمعنى الندب فإن حقوق الله تتنوع على الوجهين.
(فصل) :
وإضافة وجوبه إلى كل محتلم لجريان الأحكام عليهم وتوجه الأوامر إليهم وقوله كغسل الجنابة يعني صفة الغسل واستيعابه الجسد وبالله التوفيق.
(ص) : (مالك عن ابن شهاب عن سالم بن عبد الله أنه قال «دخل رجل من أصحاب
رسول الله - صلى الله عليه وسلم - المسجد يوم الجمعة وعمر بن الخطاب يخطب فقال عمر أية ساعة هذه فقال يا أمير المؤمنين انقلبت من السوق فسمعت النداء فما زدت على أن توضأت فقال عمر الوضوء أيضا وقد علمت أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يأمر بالغسل» ) .
(ش) : قول عمر بن الخطاب أية ساعة هذه إشارة إلى أن هذه الساعة ليست من
ساعات الرواح إلى الجمعة لأنه وقت طويت فيه الصحف وفي هذا بيان أن للإمام أن يأمر في خطبته بالمعروف وينهى عن المنكر ولا يكون لاغيا وإن لمن خاطبه الإمام أن يجاوبه عما سأله عنه ولا يكون أيضا في ذلك لاغيا لأن ذلك كان بحضرة الصحابة ولم ينكر أحد منهم على واحد منهما وقد قال ابن القاسم في المدونة من كلمه الإمام فرد عليه لم أره لاغيا.
ووجه ذلك أن الإنصات إنما هو للإمام والإصغاء إليه