من باب قتل الصيد وجب أن يمنع وجوب الفدية بقليل ذلك وكثيره كما يمنع وجوبه بتقريد البعير وقتل كثير من الهوام وإنما يجب في ذلك الإطعام.
قال محمد تجزئه قبضة من طعام وقد كان يجب أن يكون له بدل من الصوم وأقل ذلك اليوم الواحد وإذا قلنا: إنه من باب إلقاء التفث تعلقت الفدية بكثيره دون يسيره كحلق الشعر فمن نتف شعره أو شعرات يسيرة فلا فدية عليه وإنما عليه إطعام ومن حلق رأسه أو كثيرا من شعره فعليه الفدية.
(مسألة) :
وأما الحلم والقراد والحمنان فهي من دواب جسم البعير فليس للمحرم أن يلقيه لما ذكرناه؛ لأن ذلك سبب هلاكه إلا أن يرى من البعير إضرارا من كثرة ذلك واستضراره بها فيزيلها عنه ويطعم كما يجوز له أن يلقي القمل عن جسمه إذا أضر ذلك به.
(فصل) :
وأما ما ليس من دواب الجسم كالبراغيث والبعوض والبق والذر والنمل والذباب فإنه يجوز للإنسان طرحه عن جسده؛ لأنها ليست من دواب جسده، وكذلك يجوز له أن يطرح عن جسده القراد والحلم والحمنان إلا القمل خاصة ويطرح عن بعيره العلق وسائر الحيوان إلا القراد وما كان من دواب جسده ولا يقتل شيئا من ذلك فإن قتله فقد قال مالك يطعم وقال مرة أحب إلي أن يطعم وإن ابتدأ الإنسان شيئا من ذلك بالضرر فقتله فقد قال مالك في محرم لدغته ذرة فقتلها وهو لا يشعر أرى أن يطعم شيئا وكذلك النملة.
ووجه ذلك أن ضررها يسير فطرحها يقوم مقام قتلها في دفع أذاها.
(ص) : (مالك عن علقمة بن أبي علقمة عن أمه أنها قالت سمعت عائشة زوج
النبي - صلى الله عليه وسلم - تسأل عن المحرم أيحك جسده فقالت: نعم فليحككه (وليشدد قالت عائشة) ولو ربطت يداي ولم أجد إلا رجلي لحككت) .
(ش) : قولها فليحككه وليشدد تريد أنه لا يتقي من قتل شيء من القمل ولا
نتف شيء من الشعر؛ لأنه لم تجر العادة بقتل القمل بمثل هذا؛ لأنه يزول عن موضعه من الجسد إلى غيره لشدة الحك في ظاهر جسده وما لم يخف منه على المحرم إتيان شيء من المحظور عليه فهو مباح.
وقد قال مالك لا بأس أن يحك المحرم ما يرى من جسده وقروحه وإن أدمى جلده فنص على إباحة ما يرى ويحتمل أن يكون ما لا يرى ممنوعا عنده لجواز أن يزيل منه بحكه قملا يسقطه إلى الأرض، ولذلك قال من رواية إسماعيل بن أبي أويس عنه يحك المحرم رأسه حكا رفيقا لا يقتل به شيء من الدواب قال القاضي أبو الوليد - رضي الله عنه - وعندي أنه يتوقى شيئا آخر وهو ما ينتف شعرا.
وقد روى إسماعيل عن مالك أيضا أن المحرم يحك جسده ما بدا له إذا لم يكن في جلده شيء من الدواب إن كان يرى في ظاهره قملا فقد روى ابن نافع عن مالك لا بأس أن يحك موضعها ولا يتعمد طرحها ولا قتلها فعلى هذه الرواية الفرق بين الجسد والرأس أن ما في الجسد من القمل يبدو له ويظهر إليه وما في الرأس يخاف مواقعة المحظور بالمبالغة فيه ولا علم له به.
وقد قال مالك في المختصر الصغير يحك المحرم ما يرى من جسده وإن أدمى فعلى هذا لا فرق بين رأسه وما لا يرى من جسده.
(فصل) :
وقولها لو ربطت يداي ولم أجد إلا رجلي لحككت تريد استباحة قوة ذلك في نفسها حتى أنها لو منعت حك جسدها بيديها وأمكنها أن تحك ذلك برجليها لفعلت مع عدم الرفق بالحك بالرجل وأن من باشر ذلك برجله لا يكاد أن يعلم ما يأتي من إزالة حيوان عن موضعه أو نتف شعر من جسده.
(ص) : (مالك عن أيوب بن موسى أن عبد الله بن عمر نظر في المرآة لشكو كان
بعينيه وهو محرم) .
(ش) : قوله نظر في المرآة لشكو كان بعينيه يريد أنه استباح ذلك لهذه
العلة ويحتمل أن يكون أخبر أن سبب نظره فيها كان لشكو عينيه؛ لأنه ليس في النظر في المرآة ما يمنع من أجل الإحرام؛ لأن نظر الإنسان إلى جسده كله مباح له في حال إحرامه وفي العتبية من رواية أشهب عن مالك