عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قربة ودرجة.
وأما عبد الله بن عمر فقد ذكرنا أن المراد بذلك الفقه في أحكامها وغير ذلك من علومها فقد روي عن الصحابة كراهية التسرع في حفظ القرآن دون التفقه فيه فروي عن مالك في العتبية كتب إلى عمر بن الخطاب رجل من العراق يخبرونه أن رجالا قد جمعوا كتاب الله تعالى فكتب عمر أن افرض لهم في الديوان قال فكثر من يطلب القرآن فكتب إليه من قابل أنه جمع القرآن سبعمائة رجل فقال عمر إني لأخشى أن يسرعوا إلى القرآن قبل أن يتفقهوا في الدين فكتب أن لا يعطيهم شيئا سئل مالك عن صبي ابن سبع سنين جمع القرآن فقال ما أرى هذا ينبغي وهو معنى ما عاب به عبد الله بن مسعود الزمن الآخر أن قراءه كثير وفقهاءه قليل وقد مدح زمنه أن فقهاءه كثير وقراءه قليل وقد بينت معناه هناك وبالله التوفيق قال مالك في العتبية في قول عمر وإنما ذلك مخافة أن يتأوله على غير تأويله مع أنه لا يمتنع أن يكون عبد الله بن عمر خلط مع ذلك من يعلم غيرها من أبواب العلم ودرسه وسائر القرآن وأعمال البر من الجهاد وغيره الكثير ولكنه كان بين أول ابتدائه بها وآخر إتمامه لها هذه المدة ولعله حفظ تلاوتها وأكثر أحكامها في أيسر مدة ثم تعذر عليه حكم من أحكامها وأشكل عليه شيء مما فيها فلم يجد منه مراده ولم يفتح عليه فهمه إلا بعد تمام هذه المدة والله أعلم وأحكم.
ما جاء في سجود القرآن
(ص) : (مالك عن عبد الله بن يزيد مولى الأسود بن
سفيان عن أبي سلمة بن عبد الرحمن «أن أبا هريرة قرأ لهم إذا السماء انشقت فسجد فيها فلما انصرف أخبرهم أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سجد فيها» ) .
(ش) : قوله قرأ لهم إذا السماء انشقت يحتمل أن يكون في صلاة وهو الأظهر
لقوله فلما انصرف أخبرهم على أنه قد روي ذلك مفسرا وقوله فسجد فيها كان أبو هريرة يرى السجود في إذا السماء انشقت.
وروي ذلك عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وقد اختلف في ذلك أهل العلم فالذي ذهب إليه مالك أنها ليست من عزائم السجود.
وقال ابن وهب وابن حبيب من أصحابنا هي من عزائم السجود وبه قال أبو حنيفة والشافعي والذي تعلق به مالك في ذلك ما روي عن ابن عباس «أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لم يسجد في شيء من المفصل منذ تحول إلى المدينة» .
ووجه قول ابن وهب ما روي عن أبي رافع قال صليت خلف أبي هريرة صلاة العشاء يعني العتمة فقرأ إذا السماء انشقت فسجد فيها فلما فرغ قلت يا أبا هريرة ما كنا نسجدها قال سجدها أبو القاسم - صلى الله عليه وسلم - وأنا خلفه فلا أزال أسجدها حتى ألقى أبا القاسم - صلى الله عليه وسلم - وهذا الخبر يدل على أن النبي - صلى الله عليه وسلم - سجد بها في المدينة فإن أبا هريرة إنما أسلم وهو بالمدينة.
(ص) : (مالك عن نافع مولى ابن عمر أن رجلا من أهل مصر أخبره أن عمر بن
الخطاب قرأ سورة الحج فسجد فيها سجدتين ثم قال إن هذه السورة فضلت بسجدتين مالك عن عبد الله بن دينار أنه قال رأيت عبد الله بن عمر يسجد في سورة الحج سجدتين) .
(ش) : السجدتان في سورة الحج أولاهها قوله تعالى ﴿إن الله يفعل ما يشاء﴾
[الحج: 18] وهي متفق عليها والثانية قوله تعالى ﴿وافعلوا الخير لعلكم تفلحون﴾ [الحج: 77] وهي التي اختلف العلماء فيها فمنع مالك أن تكون من عزائم السجود وقال ابن حبيب هي من عزائم السجود ورواه ابن عبد الحكم عن ابن وهب وبه قال الشافعي وجه ما قاله مالك أن إثبات السجود طريقة الشرع والأصل براءة الذمة ولم يثبت من طريق صحيح فمن ادعى ذلك فعليه بيانه ومن جهة المعنى إنما لفظ السجود إذا اقترن