كحد الزنا.
(ص) : (مالك عن رزيق بن حكيم أن رجلا يقال له مصباح استعان ابنا له فكأنه
استبطأه فلما جاءه قال له يا زان، قال زريق فاستعداني عليه فلما أردت أن أجلده قال ابنه: والله لئن جلدته لأبوأن على نفسي بالزنا، فلما قال ذلك أشكل علي أمره فكتبت فيه إلى عمر بن عبد العزيز وهو الوالي يومئذ أذكر له ذلك فكتب إلي أن أجز عفوه قال زريق وكتبت إلى عمر بن عبد العزيز أيضا أرأيت رجلا افترى عليه أو على أبويه وقد هلكا أو أحدهما قال فكتب إلي عمر إن عفا فأجز عفوه في نفسه، وإن افترى على أبويه وقد هلكا أو أحدهما فخذ له بكتاب الله عز وجل إلا أن يريد سترا قال يحيى سمعت مالكا يقول وذلك أن يكون الرجل المفترى عليه يخاف إن كشف ذلك منه أن تقوم عليه بينة فإذا كان على ما وصفت فعفا جاز عفوه) .
(ش) : قول مصباح لابنه على وجه السب يا زان قذف له، وكذلك من قال لغيره
يا زان فإنه قاذف له يجب عليه من الحد ما يجب على القاذف فإن قال أردت أنه زان في الجبل بمعنى أنه صاعد إليه، يقال زنأت في الجبل إذا صعدت إليه قال أصبغ عليه الحد ولا يقبل قوله إلا أن يكونا كانا في تلك الحال، وبين أنه الذي أراده ولم يقله مشاتمة قال ابن حبيب يريد أصبغ ويحلف.
(فصل) :
وقوله فاستعداني عليه فلما أردت أن أجلده يقتضي أنه كان يرى أن الأب يجلد لقذف ابنه بما يخصه من القذف، وبه قال مالك وأصحابه إلا ما رواه ابن حبيب عن أصبغ أنه لا يحد الأب له أصلا، وبه قال أبو حنيفة والشافعي، وجه قول مالك أن من يقتل به إذا أقر بأنه أراد قتله فإنه يحد لقذفه إذا كان محصنا أصل ذلك الأجنبي، ووجه قول أصبغ يحتمل أن يكون مبنيا على قول أشهب لا يقتل الأب بابنه.
(فرع)
فإذا قلنا يحد الأب لابنه فإن ذلك يسقط عدالة الابن رواه ابن المواز قال؛ لأن الله تبارك وتعالى قال في كتابه ﴿فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما﴾ [الإسراء: 23] وهذا يضر به.
(مسألة) :
وإذا قال الأب لابنه في منازعة أشهدكم أنه ليس بولدي وطلبت الأم أو ولدها من غيره الحد، وقد كان فارقها فعفا ولده فقال مالك يحلف ما أراد قذفا وما قاله إلا بمعنى أنه لو كان ولدي لم يصنع ما صنع، ثم لا شيء عليه وهذا يقتضي أن الحد عليه ثابت إن لم يحلف، وأنه لا يسقط بعفو بعض الولد إذا قام به بعضهم والله أعلم وأحكم.
(مسألة) :
فأما الجد والعم والخال ففي العتبية من سماع ابن القاسم عن مالك يحدون له في الفرية إن طلب ذلك، ووجه ذلك أن الأب أعظم حقا منهم، وهو يحد للابن فبأن يحد هؤلاء أولى على قول أصبغ أن هؤلاء كلهم يقتل به فكذلك يحدون له، وأما أن يشتموه ففي العتبية لا شيء عليهم إذا كان على وجه الأدب، وكأنه لم ير الأخ مثلهم إذا شتمه، ووجه ذلك أن لهم عليه رتبة بالإدلاء بالأبوين فكان لهم تأديبه بالقول وتعليمه.
(فصل) :
وقول الابن لئن جلدته لأبوأن على نفسي يريد العفو عن أبيه وإسقاط حد القذف عنه، وأنه إن لم يقبل ذلك منه متولي الحكم أقر بالزنا فأسقط عن أبيه بذلك حد القذف، وهذا يقتضي أن زريق بن حكيم كان يرى أن عفو المقذوف عن القاذف عند الإمام غير جائز، وهي إحدى الروايتين عن مالك إلا أن مالكا قال في الولد له العفو عن أبيه ولم يرد سترا به، كتب عمر بن عبد العزيز إلى زريق إذ سأله عن ذلك.
(فرع)
وأما عفوه عن جده فقال ابن القاسم وأشهب يجوز عفوه عن جده لأبيه وإن بلغ الإمام، ولا يجوز ذلك في جده لأمه، ووجه ذلك أن الجد للأب مدل بالأب ويوصف بالأبوة، وأما الجد للأم فلا يوصف بذلك فلم يكن له حكم الأب، وقد قال ابن الماجشون عفو الأب عن ابنه جائز، وإن لم يرد سترا، ومعنى ذلك والله أعلم أن الإشفاق قد يحمله عند رؤية إيقاع الحد به على أن يقر على نفسه بما قذفه به فيقع فيما هو أشد من القذف.
(فصل) :
وقد قال عمر بن عبد العزيز فيمن افتري عليه إن عفا فأجز عفوه في نفسه يريد أن العفو بعد