المحظور وأما إثم المصلي فلأنه عرض نفسه لذلك وأما ما لا يكون المصلي به عاصيا فعلى ضربين:
أحدهما: أن يصلي إلى سترة.
والثاني: أن يصلي إلى غير سترة في الموضع الذي لا يظن أن يمر أحد فيه بين يديه كالبراري والقفار.
وفي هذا اختلاف قال ابن القاسم ليس عليه أن يصلي إلى سترة حيث يغلب على ظنه أنه لا يمر بين يديه أحد.
وقال ابن حبيب من شأن المصلي أن لا يصلي إلا إلى سترة أمن أن يمر بين يديه أحد أو لم يأمن.
وجه ما قاله ابن القاسم الحكم بغلبة الظن.
ووجه ما قاله ابن حبيب الاحتياط والتحرز.
(مسألة) :
فمن صلى إلى سترة أو إلى غير سترة حيث يجوز له أن يصلي دونها فمر أحد بينه وبين السترة أو بين يديه فقد أثم المار ولا يأثم المصلي لأنه فعل ما يجوز له فعله ولا يخلو المار بين يدي المصلي أن يمر بالقرب منه حيث يمكنه رده دون أن يتكلف خطوا ولا كبير عمل أو يمر بالبعد حيث لا يمكنه ذلك إلا بالمشي إليه والعمل الكثير فإن أمكنه ذلك دون مشي ولا تكلف عمل فهو مأمور برده ودرئه ما استطاع بما خف فإن رجع وإلا فلا ينازعه فإن ذلك أشد من مروره وما ورد في الحديث فإن أبى فليقتله فإنما هو شيطان يحتمل أن يريد به فليلعنه فإن المقاتلة تكون في اللغة والشرع بمعنى اللعن قال الله تعالى ﴿قتل الخراصون﴾ [الذاريات: 10] وقال ﴿قاتلهم الله أنى يؤفكون﴾ [التوبة: 30] قيل معناه لعنهم الله ويحتمل أن يريد به فليؤاخذه على ذلك بعد تمام صلاته ويدفعه على فعله وقيل معناه فليدفعه دفعا أشد من الدرء منكرا عليه ومغلظا وقد يسمى ذلك مقاتلة على سبيل المبالغة ويعدل عن ظاهر المقاتلة بالإجماع على أنه لا يجوز أن يقاتله المقاتلة التي تفسد صلاته وروى ابن نافع عن مالك يمنعه بالمعروف وقد درأ رجل رجلا فكسر أنفه فقال له عثمان لو تركته فيمر لكان أهون من هذا.
(مسألة) :
وأما إن كان لا يصل إلى درئه إلا بالمشي إليه فقد قال أشهب يرد بالإشارة فإن فعل وإلا تركه فهذا وجه صحيح لأن الإشارة عمل يسير في الصلاة والمشي عمل كثير.
(مسألة) :
وهذا الرد كله إنما هو ما لم يتقدم مروره بين يديه فأما إذا مر فلا يرده رواه ابن القاسم عن مالك لأن رده بعد أن جاوزه مرور ثان بين يديه.
(ص) : (مالك عن أبي النضر مولى عمر بن عبيد الله عن بسر بن سعيد أن زيد
بن خالد الجهني أرسله إلى أبي جهيم يسأله ماذا سمع من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في المار بين يدي المصلي فقال أبو جهيم قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «لو يعلم المار بين يدي المصلي ماذا عليه لكان أن يقف أربعين خيرا له من أن يمر بين يديه» قال أبو النضر لا أدري أقال أربعين يوما أو شهرا أو سنة) .
(ش) : قوله أرسله إلى أبي جهيم يسأله ماذا سمع من رسول الله - صلى الله
عليه وسلم - في المار بين يدي المصلي من باب طلب العلم والسؤال عنه وفيه استنابة غيره في السؤال إما لشغل أو غيره وفيه قوله لخبر الواحد عن الواحد وتسامحه بالنزول في الرواية وسماع الحديث من التابع مع قدرته على سماعه من الصحابي على أنه يحتمل أن يكون أرسله ليعلم هل عنده من ذلك علم فيلقاه فيأخذه عنه والأول أظهر من جهة اللفظ لأنه سأله ماذا سمع من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيه فلو أراد أن يعلم أو كان عنده من ذلك علم لأرسله إليه يسأله هل يسمع من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في المار بين يدي المصلي شيئا أم لا لأن هذا اللفظ يستعمله من شك في السماع واللفظ الأول يستعمله من تيقن السماع.
(فصل) :
وقوله - صلى الله عليه وسلم - لو يعلم المار بين يدي المصلي ماذا عليه يعني من الوزر والإثم لكان أن يقف أربعين خيرا له ومعنى ذلك أنه لو علم ماذا عليه من الإثم لاختار وقوف أربعين على مروره بين يديه وإن كان ظاهر اللفظ يقتضي أنه لو علم بذلك لكان وقوفه خيرا له وأنه إذا لم يعلم