واحتياجه إلى أدائها من رقاب هذه الخيل وما يتعلق بذلك من ظهورها أن يتعين عليه فرض الجهاد بها إذا دعت إلى ذلك ضرورة وإن لم يتخذها للجهاد إلا أنه يتعلق حق الله تعالى بها إذا تعين عليه الجهاد بها ويتعين عليه حمل الضعيف عليها إذا خاف عليه الهلكة ولم يجد محملا غيرها وما أشبه ذلك من الحقوق.
(فصل) :
وقوله - صلى الله عليه وسلم - ورجل ربطها فخرا ورياء ونواء لأهل الإسلام يريد أن يفتخر بها ويرائي بها الإسلام وأما لو افتخر بها على أهل الشرك ورئائهم بها لكان ذلك من باب الخير الذي يرجو عليه الأجر وأما النواء فهو المقاومة على وجه العداوة من قولهم فلان ناوى فلانا إذا قاومه على عداوة فمن اقتنى فرسا يفتخر بها على أهل الإسلام ويناويهم بها فهي عليه وزر والله أعلم.
(فصل) :
وسئل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن الحمر يريد والله أعلم أن السائل له لم يعلم إن كان حكم الحمر حكم الخيل فيما ذكر من أنها لرجل أجر ولرجل ستر وعلى رجل وزر أو يكون مخالفا لحكم الخيل في ذلك لأنها لا تتخذ غالبا لجهاد ولا تربط فيه وهي مما جرت العادة أن يناوي بها ولا يفتخر باقتنائها ولا هي مما يتكسب بركوبها وأن يكسب بالحمل عليها كالإبل والبغال فقال - صلى الله عليه وسلم -: لم ينزل علي فيها شيء إلا هذه الآية الجامعة الفاذة يريد والله أعلم أنه لم ينزل عليه فيها من التقسيم والتفسير ما نزل في الخيل لأنها غير مشاركة لها في ذلك ولكنها داخلة تحت قوله تعالى ﴿فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره﴾ [الزلزلة: 7] ﴿ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره﴾ [الزلزلة: 8] والحمر وإن لم تبلغ مبلغ الخيل في الجهاد فقد يحمل عليها راحلته من لم يستطع اقتناء الخيل ويحمل عليها زاده وسلاحه ويتكسب عليها ضعفاء الناس وأما هي فيشتريها ويستعين بها أهل الشرك والبغي على غزو الإسلام فيوزرون بها فهذا مستفاد من عموم الآية لأن اقتناءها لا يخلو أن يكون من عمل الخير أو من عمل الشر وقد أخبر تعالى من عمل شيئا منهما فإنه يراه وهذا يدل على التعلق بالعموم لأنه - صلى الله عليه وسلم - تعلق بعموم الآية واستفاد منه حكما وهذا يدل على وجوب التعلق به لغة وشرعا وقوله - صلى الله عليه وسلم - الآية الجامعة يريد - صلى الله عليه وسلم - العامة وقوله - صلى الله عليه وسلم - الفاذة يريد القليلة المثل في هذا الحكم يقال كلمة فاذة وفذة أي شاذة.
(ص) : (مالك عن عبد الله بن عبد الرحمن بن معمر الأنصاري عن عطاء بن يسار
أنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «ألا أخبركم بخير الناس منزلة؟ رجل آخذ بعنان فرسه يجاهد في سبيل الله ألا أخبركم بخير الناس منزلة بعده رجل معتزل في غنيمته يقيم الصلاة ويؤتي الزكاة ويعبد الله ولا يشرك به شيئا» ) .
(ش) : قوله - صلى الله عليه وسلم - ألا أخبركم بخير الناس منزلة وقد علم
أنهم يريدون ذلك على سبيل التنبيه لهم على الإصغاء إليه والإقبال على ما يخبر به والتفرغ لفهمه ويحتمل أن يريد بقوله - صلى الله عليه وسلم - خير الناس منزلة أكثرهم ثوابا في الآخرة وأرفعهم درجة وقوله - صلى الله عليه وسلم - رجل آخذ بعنان فرسه يجاهد في سبيل الله يريد والله أعلم أنه مواظب على ذلك ووصفه بأنه آخذ بعنان فرسه يجاهد في سبيل الله بمعنى أنه لا يخلو في الأغلب من ذلك راكبا له أو قائدا هذا معظم أمره ومقصوده من تصرفه فوصف بذلك جميع أحواله وإن لم يكن آخذا بعنان فرسه في كثير منها.
(فصل) :
وقوله ألا أخبركم بخير الناس منزلة بعده رجل معتزل في غنيمته وصف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أفضل المنازل ونص عليها ورغب فيها من قوي عليها وأخبر بعد ذلك بفضل من قصر عن هذه المنزلة وضعف عنها فليس كل الناس يستطيع الجهاد ولا يقدر على أن يكون آخذا بعنان فرسه فيه