تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

والهبة من الوجه المباح دون الوجه المحظور والمال الحرام، والله أعلم وأحكم.

قال القاضي أبو الوليد - رضي الله عنه - وهذا عندي في سؤال الأمراء وغيرهم، وقد روى الزهري عن عروة وسعيد بن المسيب «أن حكيم بن حزام قال سألت النبي - صلى الله عليه وسلم - فأعطاني ثم سألته فأعطاني ثم قال يا حكيم: إن هذا المال خضرة حلوة فمن أخذه بسخاوة نفس بورك له فيه ومن أخذه بإشراف نفس لم يبارك له فيه كالذي يأكل ولا يشبع واليد العليا خير من اليد السفلى قال حكيم فقلت: يا رسول الله والذي بعثك بالحق لا أرزأ أحدا بعدك أبدا حتى أفارق الدنيا، فلم يأخذ عطاء في زمن أبي بكر ولا عمر ولم يرزأ حكيم أحدا من الناس بعد وفاة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى توفي» قال القاضي أبو الوليد - رضي الله عنه - في العمل بهذا المال ... أخذه وجه يجب أن يعمل به وهو أن يعطي منه الحاجة وروى أبو سعيد الخدري عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال «إن هذا المال خضرة حلوة فنعم صاحب المال ما أعطى منه المسكين واليتيم وذا الحاجة» كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم -.

(ص) : (عن مالك عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة أن رسول الله - صلى

الله عليه وسلم - قال «والذي نفسي بيده لأن يأخذ أحدكم حبله فيحتطب على ظهره خير من أن يأتي رجلا أعطاه الله من فضله فيسأله أعطاه أو منعه» ) .

(ش) : قوله - صلى الله عليه وسلم - «؛ لأن يأخذ أحدكم حبله فيحتطب على

ظهره» على معنى التصريح بمباشرة الاحتطاب والأخذ في الأسباب وقوله «خير من أن يأتي رجلا أعطاه الله من فضله» يريد - والله أعلم - خصه الله عز وجل بالمال ... ولم يأخذه عن مسألة فسأله هذا المذكور من فضل ما أعطاه الله تبارك وتعالى فيحتمل أن يريد به الغنى ويحتمل أن يريد به السلطان ويكون معنى آتاه الله من فضله جعل الله إليه النظر فيه فجعل النبي - صلى الله عليه وسلم - الاحتطاب أفضل من المسألة وقوله - صلى الله عليه وسلم - «أعطاه أو منعه» يحتمل أن يكون معناه فربما أعطاه إذ سأله وربما منعه فبين بذلك عيب المسألة لما فيها من المذلة وربما كان معها المنع ويحتمل أن يريد به أن الاحتطاب أفضل من السؤال مع العطية فمع المنع أولى.

(مسألة) :

وهذا في طلب ما ليس له قبله مثل ما إذا سأل الغني العون ومثل أن يسأل السلطان غني عما يعطيه من ليس له قبله عطاء مرتب معنى من المعاني أو في وقت ضيق وأما سؤال السلطان مع الحاجة فجائز قال الله عز وجل ﴿ولا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم قلت لا أجد ما أحملكم عليه تولوا وأعينهم تفيض من الدمع حزنا ألا يجدوا ما ينفقون﴾ [التوبة: 92] وأما سؤال من لهم عليه عطاء مرتب أو عدة فإنه ليس بسؤال على الحقيقة وإنما هو طالب لحقه عوضا عن عمله وفي العدة استنجاز لما تقدم عطاؤه له.

وقد «قال النبي - صلى الله عليه وسلم - لجابر بن عبد الله لو قد جاء مال البحرين أعطيتك هكذا وهكذا فلما ولي أبو بكر الصديق - رضي الله عنه - قبل أن يأتي مال البحرين ثم جاء فقال أبو بكر من له قبل النبي - صلى الله عليه وسلم - عدة فليأتني فأتاه جابر فأخبره ثم ذكره بذلك مرتين ثم قال له في ذلك إما أن تعطي وإما أن تبخل عني وأي داء أدوأ من البخل ثم قال لجابر أقبض من المال قبضة فقبض فعدها فوجدها خمسمائة دينار ثم أعطاه ثانية وثالثة» إنجازا لوعد النبي - صلى الله عليه وسلم -، والله أعلم وأحكم وأما سؤال المحتاج في وقت غنى السائل فإنما هو مذكر من مال له ولجماعة المسلمين لم يتعرض لواحد منهم فيعرض بنفسه ليكون ... وقد «قال العباس للنبي - صلى الله عليه وسلم - أعطني فإني فاديت نفسي وفاديت عقيلا» فإن العباس لم يضطر إلى السؤال وأما من اضطر إليه وضعف عن التكسب والاحتطاب فجائز له أن يسأل ولا يلحف قال الله عز وجل ﴿لا يسألون الناس إلحافا﴾ [البقرة: 273] ، وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم - «من

المنتقى شرح موطأ · الجزء ٧ · الصفحة ٣٢٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

المنتقى شرح موطأج ٧ · ص ٣٢٣