ذلك الزمان إنما كان النبي - صلى الله عليه وسلم -، وقد شوور في المسألة وأفتى فيها بما امتثل فمحال أن يعتد بها عبد الله طلقة من غير أمره - صلى الله عليه وسلم - ودليلنا من جهة القياس أنه إزالة ملك مبني على التغليب، والسراية فوجب أن ينفذ في حال الطهر، والحيض كالعتق.
واستدلال في المسألة، وهو أن إيقاع الطلاق وإلزامه تغليظ ومنعه تخفيف بدليل أنه لا يلزم المجنون، والصبي، والنائم، والمغمى عليه لأنهم غير عصاة ويلزم السكران؛ لأنه عاص فإذا ثبت أنه يلزم من أوقعه على الوجه المأمور به فبأن يلزم من أوقعه على الوجه الممنوع أولى وأحرى.
(ص) : (مالك عن ابن شهاب عن عروة بن الزبير عن عائشة أم المؤمنين أنها
انتقلت حفصة بنت أبي بكر بن عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق حين دخلت في الدم من الحيضة الثالثة قال ابن شهاب فذكرت ذلك لعمرة بنت عبد الرحمن فقالت: صدق عروة، وقد جادلها في ذلك ناس وقالوا: إن الله تبارك وتعالى يقول في كتابه ﴿ثلاثة قروء﴾ [البقرة: 228] فقالت عائشة: صدقتم تدرون ما الأقراء إنما الأقراء الأطهار فالذي عن ابن شهاب أنه قال: سمعت أبا بكر بن عبد الرحمن يقول: ما أدركت أحدا من فقهائنا إلا وهو يقول هذا يريد قول عائشة - رضي الله عنها -) .
(ش) : قوله: إن عائشة - رضي الله عنها - انتقلت حفصة حين دخلت في الدم من
الحيضة الثالثة يقتضي أنها تعتقد انقضاء عدتها واستبقاء ما كان لزمها من المقام بسببها، وهذا مبني على ما قاله شيوخنا من أن الأقراء هي الأطهار؛ لأنه لا خلاف أن المطلقة المدخول بها مع السلامة تعتد ثلاثة قروء لقول الله تعالى ﴿والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء﴾ [البقرة: 228] فذهبت عائشة وأكثر علماء المدينة أن الأقراء هي الأطهار وبه قال مالك والشافعي.
وقد احتج مالك لذلك بقوله تعالى ﴿فطلقوهن لعدتهن﴾ [الطلاق: 1] ، فإنما تطلق في طهر تعتد به ويحتج لذلك بحديث ابن عمر إذ أمره النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يطلق للطهر ثم قال - صلى الله عليه وسلم -: «فتلك العدة التي أمر الله أن يطلق لها النساء» غير أن آخر الطهر يجزئ عن جميعه وتحقيق ذلك أن القرء الخروج من الطهر إلى الحيض فإذا رأت الدم من الحيضة الثالثة فقد كملت لها ثلاثة أقراء وانقضت عدتها وكان لها أن تنتقل من موضع اعتدادها وقاله أشهب.
(فصل) :
وقول عمرة: وقد جادلها في ذلك أناس يقتضي أن المجادلة مباحة عند الصحابة بل هي مأمور بها إذا كانت على وجهها من القصد إلى الحق وطلب حقيقة الحكم، فإن عائشة - رضي الله عنها - قد أتت ذلك مع جماعة من الناس وشاع ذلك واشتهر ولم ينكر ذلك أحد عليها فثبت أنه إجماع.
(فصل) :
وقولهم: إن الله يقول في كتابه: ﴿والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء﴾ [البقرة: 228] على معنى المنع لها من انتقال المعتدة بأول الحيضة الثالثة فجاوبتهم عائشة بأن التعلق بالآية صحيح غير أن تأويلها على غير ما ظننتم، وذلك أنكم تظنون أن الأقراء هي الحيض، وإنما الأقراء الأطهار، وقد قال بعض أصحابنا: إن اسم القرء يقع على الطهر، والحيض إلا أنه في الطهر أظهر فعلى هذا يجب حمله على الطهر من وجهين:
أحدهما: أنه فيه أظهر فوجب أن يحمل على ظاهره ولا يعدل عنه إلا بدليل.
والوجه الثاني: أن الحكم الثاني إذا علق في الشرع على اسم يتناول معنيين تعلق بأولهما وجودا فإذا كان الطلاق في زمن الطهر فأول الأقراء الأطهار فيجب أن يتعلق الحكم بها.
(فصل) :
وقول عائشة لمن جادلها في ذلك أتدرون ما الأقراء، وإنما الأقراء الأطهار إن كانت قالت ذلك لمن ليس من أهل اللغة فواضح؛ لأنها أعلمتهم بمقتضاه في اللغة، وإن كانت قالت ذلك لمن هو من أهل اللسان، والعلم باللغة في العربية فيحتمل أن تكون الأقراء واقعة في الطهر على الحيض فأعلمتهم