مشي فقال رجل هل لك أن أعطيك هذا الجرو لجرو قثاء بيده وتقول علي مشي إلى بيت الله قال فقلت نعم فقلته وأنا يومئذ حديث السن ثم مكثت حتى عقلت فقيل لي إن عليك مشيا فجئت سعيد بن المسيب فسألته عن ذلك فقال عليك مشي فمشيت قال مالك وهذا الأمر عندنا) .
(ش) : قوله قلت وأنا حديث السن يريد أنه لم يكن فقه بعد لصغر سنه
وحداثته وأنه لم يبلغ من السن مبلغا يتسع لتفقهه في مثل هذا من الأمور التي تندر وليست بمعتادة كالصوم والصلاة التي تتكرر ويلزم التفقه فيها من أول العمر وروى ابن حبيب عن مالك قال وكان عبد الله بن أبي حبيبة يومئذ قد بلغ الحلم إلا أنه كان صغيرا بحدثان بلوغه.
(فصل) :
وقوله: أعلى الرجل أن يقول علي مشي إلى بيت الله، ولم يقل نذر مشي؟ يريد أنه لا شيء عليه في قوله علي مشي إلى بيت الله ولا يلزمه به حج ولا غير ذلك مما يتعلق به النذر حتى يتلفظ بالنذر فيقول علي نذر مشي إلى بيت الله فاعتقد أن لفظ الالتزام والإيجاب إذا عرا من لفظ النذر لم يجب عليه به شيء وهذا لأنه لم يكن تفقه في هذه المسألة ولا عرف حكمها ولا ما يلزم منها ولعل ذلك أمر قام في نفسه من غير نظر ولا تأمل فاعتقد صحته والذي روى ابن المواز وغيره عن مالك أن ذلك سواء يلزمه المشي إلى مكة ذكر النذر أو لم يذكره وبذلك أجابه سعيد بن المسيب.
وقد روي عن سعيد والقاسم بن محمد أنه لا يلزمه شيء حتى يذكر النذر وقد جعلاه من باب الخبر على أن إسناده عن سعيد بن المسيب ضعيف.
(فصل) :
وقول الرجل له هل لك أن أعطيك هذا الجرو لجرو قثاء بيده، وتقول علي مشي إلى بيت الله على معنى الإنكار؛ لقوله والحمل له على تعب المشي إلى بيت الله إن لم يرجع عن قوله ذلك واعتقد أنه يغتنم منه أخذ جرو القثاء لغير سبب ومثل هذا مما يجب أن لا يفعل فربما حمل الإنسان لا سيما من لا علم عنده اللجاج على التزام ما يشق عليه وربما لم يمكنه الوفاء به وقد كان الأولى أن يعلمه بوجه الصواب فيما قال فإن أناب إليه وإلا حضه على السؤال عنه لكنه ربما اعتقد فيه أنه إذا لم يلتزم هذا القول أغفل السؤال عنه والبحث عن الصواب فيه.
(فصل) :
وقول عبد الله بن أبي حبيبة علي مشي إلى بيت الله على ذلك الوجه من باب النذر على سبيل اللجاج.
وقد تقدم من قولنا أنه يلزم إذا كان مما يلزم مثله لأنه قربة وقد أمره ابن المسيب بالوفاء به وأعلمه أن المشي الذي التزمه لازم له.
(مسألة) :
وقوله (ثم مكثت حتى عقلت) يريد أنه عقل أمره وأقبل على أمر دينه والاهتبال بما يلزمه منه ومجالسة أهل الدين والعلم ومذاكرتهم لما جرى له من ذلك فقيل له إن عليه المشي على حسب ما التزمه ولأن ترك التلفظ بالنذر لا يمنع أن يجب عليه ما التزمه.
(مسألة) :
وقوله فسألها عن ذلك سعيد بن المسيب يحتمل أن يكون الذين أخبروه بوجوب ذلك عليه لم يكونوا عنده من أهل العلم والاجتهاد فلم ير تقليدهم في ذلك حتى سأل عنه ابن المسيب لأنه كان أعلم وقته بعد الصحابة.
وقد اختلف الناس فيمن نزلت به نازلة من العامة من يقلد في ذلك ويقول من يأخذ بلا خلاف يجوز له الأخذ بقول أفضلهم وأعلمهم وهل يجوز له الأخذ بقول غيره إذا كملت له آلات الاجتهاد اختلف الناس في ذلك قال القاضي أبو الوليد وعندي أنه يجوز له الأخذ بقول من شاء منهم وقد قال قوم من أهل الأصول ليس له الأخذ إلا بقول أفضلهم وأعلمهم والدليل على ما نقوله أنه لا خلاف أن بعض الصحابة كان أفضل من بعض وأعلم وقد كان جميع فقهائهم يفتي وينتهي الناس إلى قوله ويأخذون به ولو وجب الاقتصار على قول أفضلهم وأعلمهم لما جاز لغيره أن يفتي.