وقال أبو حنيفة إن شاء سلم من ركعتين وإن شاء سلم من أربع وقال الثوري والحسن بن صالح صل كم شئت بسلام واحد بعد أن تجلس في كل ركعتين والدليل على صحة ما ذهب إليه مالك الحديث الذي يأتي بعد هذا من الأصل «أن رجلا سأل النبي - صلى الله عليه وسلم - عن صلاة الليل فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صلاة الليل مثنى مثنى فإذا خشي أحدكم الصبح صلى ركعة واحدة توتر له ما قد صلى» فإن قيل معنى ذلك أن يجلس في كل ركعتين فالجواب أن هذا غير صحيح لأن مثل هذا اللفظ لا يستعمل للفصل بالجلوس ولذلك لا يقال الظهر والعصر مثنى مثنى وإن كان يجلس في كل ركعة منهما ويقال صلاة الصبح مثنى لما كان يسلم فيها من ركعتين وجواب ثان وهو أن قوله صلاة الليل مثنى مثنى يقتضي أن يكون كل ركعتين منها صلاة ولا تكون صلاة إلا بأن يفصلها عما بعدها بالسلام ودليلنا من جهة المعنى أن هذه صلاة نفل فلم تجز الزيادة فيها على ركعتين كصلاة العيد.
صلاة النبي صلى الله عليه وسلم في الوتر
(ص) : (مالك عن ابن شهاب عن عروة
بن الزبير عن عائشة زوج النبي - صلى الله عليه وسلم - «أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يصلي من الليل إحدى عشرة ركعة يوتر منها بواحدة فإذا فرغ اضطجع على شقه الأيمن» .
(ش) : روى هذا الحديث جماعة عن ابن شهاب فزادوا فيه «يسلم من كل ركعتين»
وقوله يوتر منها بواحدة يقتضي أن الوتر من جملتها ركعة واحدة وقد اختلف الناس في الوتر في ثلاث مسائل إحداها: وجوبه. والثانية: عدده. والثالثة: إفراده من الشفع. فأما وجوبه فإن مالكا - رحمه الله - ذهب إلى أنه غير واجب وبه قال الشافعي.
وقال أبو حنيفة هو واجب وليس بفرض والواجب عنده دون الفرض وفوق السنن وميزته على السنن أنه يجوز ترك السنن ولا يجوز ترك الواجب ونقصه عن الفرض أنه يكفر جاحد الفرض ولا يكفر جاحد الواجب.
وقال القاضي أبو محمد الواجب عندنا والفرض واللازم والحتم والمستحق بمعنى فيتحقق معهم الكلام في هذه المسألة فإن أرادوا بالواجب أنه لا يحرم تركه فهو خلاف في عبارة فلا معنى للانتقال بالمناظرة في ذلك وإن قالوا أنه مما يحرم تركه فهو خلاف في معنى والدليل على نفي وجوبه حديث طلحة بن عبيد الله في «الأعرابي الذي سأل النبي - صلى الله عليه وسلم - عن الفرائض فقال - صلى الله عليه وسلم - خمس صلوات في اليوم والليلة فقال هل علي غيرها فقال لا إلا أن تطوع» :
فوجه الدليل أنه - صلى الله عليه وسلم - سئل عن الفرض فأجاب بالخمس وهذا يقتضي أن الخمس صلوات هي جميع فرض الصلاة.
والثاني: أنه قال هل علي غيرها قال لا فنفى وجوب غيرها.
والثالث: أنه قال لا إلا أن تطوع فوصف ما زاد على الخمس بالتطوع.
(فأما المسألة الثانية) في عدد الوتر فإن مالكا - رحمه الله - ذهب إلى أن الوتر ركعة واحدة وبه قال الشافعي وقال أبو حنيفة الوتر ثلاث ركعات والدليل على ما يقوله قول «عائشة - رضي الله عنها - في الحديث يوتر منها بواحدة» .
(وأما المسألة الثالثة) وهو أن الوتر لا يكون إلا عقيب شفع وأقله ركعتان قاله ابن حبيب عن مالك وهو المشهور من المذهب وقال سحنون في كتاب ابنه.
وقد روى علي بن زياد عن مالك يوتر المسافر بركعة واحدة وقد أوتر سحنون في مرضه بركعة واحدة وذلك يدل من رأيها على تخفيف ذلك على أصحاب الأعذار وأن الشفع ليس بشرط في صحة الوتر.
وقال الشافعي ذلك جائز دون عذر والدليل على صحة ما نقوله أن هذه صلاة وتر