لم يجز لنا ذلك فثبت أن العهد ينتقض بيننا وبينه بسبه النبي - صلى الله عليه وسلم - ويحل لنا دمه فإن قيل لو سب النبي - صلى الله عليه وسلم - ثم أسلم لسقط عنه القتل، ولو قتل مسلما ثم أسلم ثبت عليه القتل قيل القصاص من حقوق الآدميين فلا يسقط بالإسلام، وهذا من حقوق الله تعالى فيسقط بالتوبة من دينه إلى ديننا فظاهر لفظ سحنون يقتضي أنه غير كافر وأنه يقتل حدا، وظاهر ما في العتبية يقتضي أنه يقتل كفرا ولا يستتاب منه.
(فرع)
فإذا قال المجوسي إن محمدا النبي لم يرسل إلينا، وإنما أرسل إليكم، وإنما نبينا موسى أو عيسى أو نحوهما فقد روى عيسى عن ابن القاسم لا شيء عليهم؛ لأن الله سبحانه وتعالى أقرهم على مثل ذلك على أخذ الجزية وأما إن سبه فقال ليس بنبي ولم يرسل أو لم ينزل عليه قرآن، وإنما هو نبي بقوله ونحوه فهذا يقتل، ووجه ذلك أنه إذا قال: إنه نبي إنما أرسل إلى قومه فلم يكذبه، وإنما يكذب الناقل عنه للرسالة العامة؛ لأنه قد أقر له بالنبوة، وهذا يقتضي تجويز الكذب وإذا نفى عنه النبوة فقد كذبه، وذلك وجه شديد من السب.
(فرع)
ولو قال نصراني لمسلم ديننا خير من دينكم، وإنما دينكم الخمر ونحو ذلك من القول، أو يقول للمؤذن إذا قال أشهد أن محمدا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كذبت لعنكم الله فقد روى عيسى بن دينار عن ابن القاسم هذا فيه الأدب الوجيع والسجن الطويل.
(فرع)
ومن تقاضى دينه من رجل فأغضبه فقال له صل على النبي فقال له الآخر لا صلى الله على من صلى عليه قال سحنون في العتبية إذا كان على ما ذكرت من وجه الغضب والضيق فليس هو كمن شتم النبي - صلى الله عليه وسلم -.
وقال أبو إسحاق البرقي وأصبغ لا يقتل؛ لأنه إنما شتم الناس يريد أنه شتم ذلك الرجل الذي صلى عليه خاصة؛ لأنه هو الذي أغضبه وذهب الحارث وغيره في مثل هذا إلى القتل، ووجه ذلك أنه حمله على أن لعنه توجه إلى كل من صلى على النبي - صلى الله عليه وسلم - والملائكة من جملتهم.
(فرع)
ولو قال نبطي مسكين محمد يخبركم أنكم في الجنة فهو الآن في الجنة فما له لم يغن عن نفسه حيث كانت الكلاب تأكل ساقيه روى ابن القاسم في الموازية وغيرها أرى أن يضرب عنقه.
(فرع)
ومن تعجب من شيء فقال: صلى الله على النبي قال سحنون ذلك مكروه ولا ينبغي أن يصلى على النبي - صلى الله عليه وسلم - إلا على وجه الاحتساب ورجاء الثواب.
(مسألة) :
ومن شتم أحدا من الصحابة فقال عيسى بن دينار من شتم أحدا منهم أبا بكر أو عمر أو عثمان أو معاوية أو عمرو بن العاص فإن قال إنهم كانوا على ضلال وكفر فإنه يقتل ولو شتمهم بغير ذلك من مشاتم الناس فلينكل نكالا شديدا.
وقال سحنون في كتاب ابنه من كفر عليا أو عثمان أو غيرهما من الصحابة فأوجعه جلدا قال الشيخ أبو محمد رأيت في مسائل رويت عن سحنون من كتاب موسى أن قال في أبي بكر وعمر وعثمان وعلي أنهم كانوا على ضلالة وكفر فإنه يقتل، ومن شتم غير هؤلاء من الصحابة بمثل هذا فعليه النكال الشديد.
(ص) : (مالك عن ابن شهاب عن علي بن حسين بن علي بن أبي طالب أن رسول الله
- صلى الله عليه وسلم - قال «من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه» ) .
(ش) : قوله - صلى الله عليه وسلم - «من حسن إسلام المرء تركه ما لا
يعنيه» الإسلام هو الاستسلام من قولهم أسلم فلان لله إذا انقاد له، والإيمان هو التصديق قال الله تعالى ﴿قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ولما يدخل الإيمان في قلوبكم﴾ [الحجرات: 14] فكل إيمان إسلام، وليس كل إسلام إيمانا؛ لأن المؤمن قد استسلم لله وانقاد له بإيمانه، وهو قوله تعالى ﴿ومن يسلم وجهه إلى الله وهو محسن فقد استمسك بالعروة الوثقى﴾ [لقمان: 22] فالإسلام يؤتى به على أحسن وجوهه مما يتقرب به إلى الطاعات واجتناب المنكرات، وقد يكون على ذلك إذا عرا من الاجتناب بالطاعات، ومن حسنه أن يترك الإنسان ما لا