فلم يمنع ذلك صحة بيعه جزافا أصل ذلك إذا أمالته الريح ووجه قول ابن نافع ما احتج به من أن هذه الصورة التي يمكن عليها حزره، وأما إذا كان يخفى سنبله أو بعضه فلا يمكن حزره لخفاء المطلوب منه ولذلك جوزنا الخرص في النخل والأعناب لما كانت ثمرتها ظاهرة يمكن ذلك فيها ولا يخرص الزبيب؛ لأن ثمرته مستورة في أوراقه.
(مسألة) :
ولا يجوز بيعه بعد درسه وروى ذلك عن مالك القاضي أبو إسحاق في مبسوطه ووجه ذلك أنه قد صار على حالة لا يتأتى حزره ولا يؤمن من إضافة التبن إليه فلم يجز بيعه كما لو صفاه ثم أضاف إلى حنطته تبنا وهذا كله في الجزاف، وأما بالكيل فلا خلاف في جواز ذلك؛ لأن المقدار معروف بالكيل والصفة معروفة بفرك بعضه والنظر إليه.
(ص) : (مالك عن حميد الطويل عن أنس بن مالك «أن رسول الله - صلى الله
عليه وسلم - نهى عن بيع الثمار حتى تزهي فقيل له يا رسول الله وما تزهي فقال حين تحمر وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أرأيت إذا منع الله الثمرة فبم يأخذ أحدكم مال أخيه» )
(ش) : قوله نهى عن بيع الثمرة حتى تزهي يقال أزهى الثمر إذا بدا صلاحه
والزهو النور والمنظر الحسن ويحتمل أن يكون مأخوذا منه؛ لأنها حينئذ يحسن منظرها ويكمل حسنها فإن قيل هذه لفظة عربية فكيف تخفى على من معه من العرب حتى يسألوه عنها فالجواب أن ذلك يحتمل وجهين أحدهما أن تكون لغة لبعض العرب دون بعض فسأل عنها من ليست من لغته والوجه الثاني أن تكون لفظة مستعارة لها من جنسها في ذلك الوقت وجمال منظرها كما «قال - صلى الله عليه وسلم - يوم حنين الآن حمي الوطيس» وغير ذلك من الألفاظ المستعارة فكأنه قال حتى تحسن الثمرة فاحتاج السائل أن يسأل عن جنس الحسن الذي يبيح بيعها فأخبره أن زهاءها حسنها بحمرتها وقوله حتى تحمر يعني والله أعلم تظهر على خضرة البلح حمرة وهو أول ما يتغير لون البلح إلى الحمرة فذلك هو الإزهاء ثم يكون منه ما يصفر ومنه ما يستكهم حمرته ويكمل في جميعه فيكون بسرا والله أعلم وأحكم.
(فصل) :
وقوله - صلى الله عليه وسلم - «أرأيت إذا منع الله الثمر» يريد منع قبضها واستيفاءها على الوجه المعروف المعتاد للاقتيات والادخار أو الأكل المعتاد؛ لأن أخذه على غير ذلك الوجه فساد وإتلاف للثمرة أو نادر لمنفعة غير مقصودة فشراء المشتري إنما يقع على المعتاد من أكل الثمرة وهو أكلها رطبا أو تمرا فإن منع الله الثمرة قبل ذلك لم يكن للبائع أن يأخذ الثمن من المبتاع لقوله - صلى الله عليه وسلم - «إذا منع الله الثمرة فبم يأخذ أحدكم مال أخيه» .
فاقتضى ذلك أنه لا يجوز له أخذ مال أخيه إذا منع الله الثمرة فلما كانت العاهات تكثر وتتكرر قبل الإزهاء منع ذلك صحة بيعها وفي هذا دليل على أن المنع إنما توجه إلى البيع الذي لم يشترط فيه القطع؛ لأن ما اشتري على القطع لا تمنعه آفة فلم يتوجه إليه المنع فعلى هذا الغرر المتوقع في المبيع على ثلاثة أضرب ضرب يكثر ويكون هو الأغلب فهذا يمنع من صحة العقد جملة كبيع الثمرة قبل بدو الصلاح على وجه يقتضي التبقية وضرب لا يبلغ هذا المبلغ من الكثرة والتكرر لكنه يكون معتادا ولا يمنع صحة العقد ولكنه يمنع النقد كحال الأمة في عهدة الثلاث ومدة المواضعة وضرب ثالث يقل ويندر فلا يمنع صحة العقد ولا اشتراط النقد كالجنون والجذام في عهدة السنة والجائحة بعد بدو الصلاح في الثمرة وروى القاضي أبو إسحاق عن محمد بن مسلمة أنه فرق بينهما بعد هذا وقال إن بيع الثمرة قبل بدو الصلاح غرر لا فائدة فيه؛ لأنه لا ينتفع المبتاع بها فلا يقصد إلا مجرد الغرر، وأما بعد بدو صلاحها فإنه قصد الانتفاع بها وذلك يرفع فساد الخوف من إتلافها.
والذي قدمناه أولى لما روت عمرة «عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه نهى عن بيع الثمار حتى