المصلي ما دام يقصد إلى الصلاة وقوله فإنه تكتب له بإحدى خطوتيه حسنة وتمحى عنه بالأخرى سيئة يحتمل أن يريد بذلك أن لخطاه حكمين فيكتب له ببعضها الحسنات وتمحى عنه ببعضها السيئات وإن حكم الحسنات غير حكم محو السيئات وهذا ظاهر اللفظ ولذلك فرق بينهما.
وقد ذكر قوم أن معنى ذلك واحد وإن كتب الحسنات هو بعينه محو السيئات.
(فصل) :
وقوله فإذا سمع أحدكم الإقامة فلا يسع فإن أعظمكم أجرا أبعدكم دارا قال مالك لا يخب ولا بأس أن يسرع في مشيه.
وقال ابن القاسم لا يجري والسعي في الحديث هو الإسراع في إتيان الصلاة حتى يخرج بذلك عن حد المشي ومنع من ذلك لوجهين:
أحدهما: أنه تقل به الخطا وكثرة الخطا مرغب فيها مرجو منها ما تقدم من كتب الحسنات ومحو السيئات ولذلك قال وإن أعظمكم أجرا أبعدكم دارا وفسرت أنا ذلك من أجل كثرة الخطا.
والوجه الثاني: أنه يخرج عن الوقار المشروع في إتيان الصلاة.
(ص) : (مالك عن يحيى بن سعيد أنه سمع سعيد بن المسيب يسأل عن الوضوء من
الغائط بالماء فقال سعيد إنما ذلك وضوء النساء) .
(ش) : قال ابن نافع يريد سعيد بن المسيب أن الاستنجاء بالحجارة يجزي
الرجل وإنما يكون الاستنجاء بالماء للنساء قال القاضي أبو الوليد - رضي الله عنه - يحتمل عندي وجهين:
أحدهما: أن يكون سعيد بن المسيب أراد أن ذلك حكم من أحكام النساء من جهة العادة والعمل وإن عمل الرجال الاستجمار ويحتمل أن يريد بذلك عيب الاستنجاء بالماء كما قال - صلى الله عليه وسلم - إنما التصفيق للنساء وهذا لا يراه مالك ولا أكثر أهل العلم والاستنجاء عندهم بالماء أفضل وجميع الفقهاء على أن الاستجمار يجزي مع وجود الماء.
وقال ابن حبيب ليس الاستجمار يجزي إلا مع عدم الماء ولعله أراد بذلك وجه الاستحباب وإلا فهو خلاف الإجماع فيما علمناه.
(ص) : (مالك عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة أن رسول الله - صلى
الله عليه وسلم - قال «إذا شرب الكلب من إناء أحدكم فليغسله سبع مرات» ) .
(ش) : اختلف قول مالك - رحمه الله - في أمر النبي - صلى الله عليه وسلم -
بغسل الإناء من ولوغ الكلب فمرة حمله على الوجوب ومرة حمله على الندب فوجه الوجوب أمره - صلى الله عليه وسلم - بغسله والأمر يقتضي الوجوب ووجه الندب أنه حيوان فلم يجب غسل الإناء من ولوغه أصل ذلك الحيوان.
(مسألة) :
واختلف قول مالك في الكلب الذي يجب غسل الإناء من ولوغه فروى عنه ابن أبي الجهم روايتين:
إحداهما: أنه في الكلب المنهي عن اتخاذه.
والثانية: أنه في جميع الكلاب وجه الرواية الأولى أن الأمر بذلك إنما كان على وجه التغليظ والمنع من اتخاذها وذلك يختص بالمنهي عنه لا بالمباح.
ووجه الرواية الثانية عموم الخبر ولم يخص كلبا دون كلب ومن جهة المعنى أنه إذا وجب غسل الإناء من ولوغها لم يتخذ منها إلا ما تدعو الضرورة إليه والحاجة الوكيدة.
(مسألة) :
ولم يختلف قول مالك في أن إناء الماء يغسل من ولوغ الكلب واختلف قوله في غسل إناء الطعام فروى عنه ابن القاسم نفي غسله وروى عنه ابن وهب وغيره إثبات غسله وجه رواية ابن القاسم أن الأمر بغسل الإناء من ولوغ لكلب إنما كان على وجه التغليظ في اتخاذ الكلب وإنما يحصل ذلك بغسل إناء الماء لأنه هو الذي يمكن أن تصل إليه الكلاب وأما إناء الطعام فلا تصل إليه لقلته وكثرة التوقي فيه ووجه الرواية الثانية أن هذا إناء ولغ فيه كلب فشرع غسله كإناء الماء.
(فصل) :
وقوله فليغسله سبع مرات يقتضي اعتبار العدد وقال أبو حنيفة لا يعتبر في ذلك العدد والدليل على ما نقوله الحديث المذكور وفيه أمره بغسل الإناء سبع مرات والأمر يقتضي