فأنكر عليه لم يحمل أمرها على ما حمل عليه عمر بن الخطاب من تفضيل الإفراد عليها وقول الضحاك بن قيس فإن عمر بن الخطاب نهى عنها تعلق منه بالحجة عنده في ذلك ومنتهى علمه فيه؛ لأنه لم يقله عن نص عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ولا عن نظر أداه إليه، وإنما قاله له لما رأى من نهي عمر بن الخطاب عنه، ولم يعلم معنى منعه المتعة ولا حمله على وجهه فقال له سعد قد صنعها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وصنعناها معه وهذا يحتمل أمرين:
أحدهما: أن يكون سعد قد علم أن عمر بن الخطاب إنما نهى عن المتعة على حسب ما ذكرناه ولم ينه عنها على وجه التحريم فبين وجه قول عمر بن الخطاب بما ذكر في ذلك عن النبي - صلى الله عليه وسلم - لعلم السامع أن عمر لا يشرع شريعة ولا يخالف ما شرع النبي - صلى الله عليه وسلم - فأعلمه بذلك أن عمر بن الخطاب لم يرد النهي على وجه التحريم والمنع ولا يصح هذا الوجه إلا بأن يعتقد سعد في عمر أنه من علم أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - في ذلك ما علم.
والثاني: أن يكون اعتقد سعد في نهي عمر تحريم المتعة جملة، أو جوز ذلك عليه فرد ذلك عليه بما كان عنده في ذلك عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وأعلم به الناس ليعلموا به وليتركوا نهي عمر، والتأويل الأول أظهر.
(فصل) :
وقوله قد صنعها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وصنعناها معه يحتمل أن يريد أمر بها أو أباحها كما يقال: نادى الأمير بكذا، وإنما أمر من ينادي وقتل الأمير فلانا وإنما أمر من يقتله فهذا اللفظ وإن كان ظاهره مباشرة الفعل إلا أنه يحمل على هذا الذي يحتمله لما قدمناه من الأدلة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان مفردا بالحج وقول سعد وصنعناها معه يحتمل أن يكون هو متمتعا مع النبي - صلى الله عليه وسلم - ويحتمل أن يكون مفردا، ويخبر عن غيره ممن كان متمتعا ويضيف ذلك إلى جملة جماعة وهو منهم.
(ص) : (مالك عن صدقة بن يسار عن عبد الله بن عمر أنه قال: والله لأن
أعتمر قبل الحج وأهدي أحب إلي من أن أعتمر بعد الحج في ذي الحجة) .
(ش) : قوله لأن أعتمر قبل الحج يريد في أشهر الحج، ثم يهدي؛ لأنه لا يكون
متمتعا فذلك أحب إليه وأفضل عنده من أن يعتمر بعد الحج في ذي الحجة قال القاضي أبو الوليد - رضي الله عنه -.
ووجه ذلك عنده أنه كان يرى أن ترك العمرة في أشهر الحج أفضل وأن النقص يدخل على الحجة والعمرة بفعل العمرة في أشهر الحج إلا أنه إن فعلها قبل الحج جبر ذلك بدم المتعة فكان فعله إياها قبل الحج أفضل عنده للجبران المشروع فيه، وهذا يدل على أن جميع ذي الحجة عنده من أشهر الحج.
وقد روي نحو هذا التأويل عن نافع عن ابن عمر.
(ص) : (مالك عن عبد الله بن دينار عن عبد الله بن عمر كان يقول من اعتمر
في أشهر الحج في شوال أو في ذي الحجة قبل الحج، ثم أقام بمكة حتى يدركه الحج فهو متمتع إن حج وعليه ما استيسر من الهدي فإن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع من منى قال مالك وذلك إذا أقام حتى الحج، ثم حج من عامه)
(ش) : قوله من اعتمر في أشهر الحج شوال أو ذي الحجة قبل الحج يحتمل
معنيين:
أحدهما: أن يريد أن جميع ذي الحجة من أشهر الحج من عامه، ثم خص قبل الحج دون ما بعده بحكم التمتع، وإن كان جميع الشهر حكمه واحد في أنه من أشهر الحج.
والثاني: أن يريد أن ما قبل الحج من أشهره دون ما بعده فقال أو ذي الحجة قبل الحج وأراد به بيان أن ذلك من أشهر الحج دون ما بعده.
وقد اختلف الفقهاء في ذلك واختلف فيه قول مالك فروى أشهب عن مالك في المجموعة أن أشهر الحج شوال وذو القعدة وذو الحجة.
وروى ابن حبيب عن مالك: أشهر الحج شوال وذو القعدة وعشر من ذي الحجة وعشر ليال وليس يوم النحر عنده من أشهر الحج وإن كانت ليلته منها والدليل