قام طالبوه أو لم يقوموا، ووجه ذلك أنه حد من الحدود فتداخل كحد الزنا والقطع في السرقة، وبهذا فارق حقوق الآدميين فإنها لا تتداخل، وقد روى عيسى عن ابن القاسم في العتبية فيمن قذف قوما وشرب خمرا فإنه يجزئه لذلك حد واحد قال عيسى يريد أنه من حد القذف مستخرج، ووجه ذلك عندي أن الحدين إذا تساويا في القدر والصفة تداخلا كالحدين سببهما واحد.
(مسألة) :
ومن قذف فحد في القذف فلم يكمل جلده حتى قذف رجلا آخر فقد روى ابن حبيب عن ابن الماجشون إن كان مضى مثل السوط والأسواط اليسيرة قال أشهب والعشرة الأسواط يسيرة قال ابن الماجشون فإنه يتمادى ويجزيه لهما قال ابن القاسم في الموازية إذا جلد من الحد الأول شيئا، ثم قذف ثانيا فإنه يأتنف من حين الثانية وبه قال ربيعة وإن بقي مثل سوط أو أسواط أتم، ثم ابتدأ حدا ثانيا قال ابن المواز إذا لم يبق إلا أيسر الحد مثل العشرة والخمسة عشر فليتم الحد ثم يؤتنف قال أشهب: وإن ضرب نصف الحد أو أكثر أو أقل قليلا فليؤتنف حينئذ قال ابن الماجشون إن مضى مثل الثلاثين والأربعين ونحوهما ابتدأ لهما فيجيء على قول أشهب أنه على ثلاثة أقسام: قسم إذا ذهب اليسير تمادى وأجزأ الحد لهما، وقسم ثان إذا مضى نصف الحد أو ما يقرب منه استؤنف لهما فكان من حد الأول، ثم يتم للمقذوف الثاني بقية حده من حين قذف، وقسم ثالث أن لا يبقى إلا اليسير من الحد الأول فإنه يتم الحد الأول، ثم يستأنف للثاني وعلى مذهب ابن القاسم على قسمين:
أحدهما: أنه متى مضى شيء من الحد الأول أنه لا يستأنف من حين القذف الثاني لهما ولا يحسب بما مضى من الحد الأول، والقسم الثاني أن يبقى اليسير فيتم حد الأول ثم يستأنف الحد للثاني فلا يتداخل الحدان والله أعلم وأحكم.
(مسألة) :
ومن قذف مجهولا فلا حد عليه قاله ابن المواز وروي في رجل قال لجماعة أحدكم زان وابن زانية فلا يحد إذ لا يعرف من أراد، وإن أقام به جميعهم فقد قيل لا حد عليه، وإن قام به أحدهم فادعى أنه أراده لم يقبل منه إلا بالبيان أنه أراده، ولو عرف من أراده لم يكن للإمام أن يحده إلا بعد أن يقوم عليه، ومعنى ذلك أن حد المقذوف من شرط وجوبه أن يقوم به وليه فإذا لم يتعين المقذوف لم يصح قيام أحد به ولا يتعلق به حق لله تعالى إلا بعد أن يقوم به عنده من هو ولي فيه، وكذلك لو سمع الإمام رجلا يقذف رجلا لم يكن عليه أن يعرفه فإذا قام به، وثبت عنده تعلق به حق لله تعالى فلم يكن لوليه القائم به العفو عنه.
(مسألة) :
ومن قال لرجل يا زوج الزانية وتحته امرأتان فعفت إحداهما وقامت الأخرى تطلبه ففي العتبية والواضحة عن ابن القاسم يحلف ما أراد إلا التي عفت، ويبرأ فإن نكل حد، ومعنى ذلك أن عفو المقذوف قبل القيام لازم له وجائز عليه فلما عفت إحداهما عنه سقط حقها من ذلك، ولو قامت الثانية، وكان اللفظ محتملا أنه أرادها حلف أنه ما أرادها فإن لم يحلف حد للتي قامت، وإن حلف ثبت قذفه للتي عفت فسقط عنه الحد.
(فرع)
وقوله في هذه المسألة أن إحداهما إن قامت وقد عفت الأخرى حلف لها وإلا حد، قال ابن المواز في القائل لجماعة أحدكم زان إن قام به أحدهم فادعى أنه أراده لم يقبل منه إلا بالبيان يريد أنه أراده، وإن قام جميعهم فقد قيل لا يحد لهم يحتمل أن الجماعة في مسألة ابن المواز خرجوا بكثرتهم عن حد التعيين، وأن الاثنين في مسألة العتبية وما قرب من ذلك في حيز المعين، ويحتمل أن يكون اختلافا من القولين والله أعلم وأحكم.
(ص) : (مالك عن أبي الرجال محمد بن عبد الرحمن بن حارثة بن النعمان
الأنصاري ثم من بني النجار عن أمه عمرة بنت عبد الرحمن أن رجلين استبا في زمن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - فقال أحدهما للآخر والله ما أبي بزان ولا أمي بزانية فاستشار في ذلك عمر بن الخطاب فقال قائل مدح أباه وأمه. وقال الآخرون قد كان لأبيه