رب المال يتصرف فيه، وذلك غير صحيح كما لو عملا عليه، وهذا مبني على أن العامل إذا عمل من غير شرط في عقد القراض لعقد صار عملا كثيرا بطل ذلك القراض.
والوجه الثاني: أنه يجوز في وقت دون وقت فلا يجوز قبل العمل ويجوز بعده؛ لأنه قبل أن يعمل رأس المال على ما كان عليه فهو بمنزلة أن يعقد القراض على ذلك؛ لأن هذه حالة لكل واحد منهما ترك القراض فيها إذا استدركا في هذه الحالة شرطا ينافي القراض فكأنما شرطاه في عقد القراض، وأما إذا عمل العامل بالقراض ولزمهما أمره ولم يكن لأحدهما إبطاله فما التزم من ذلك فليس بمنزلة ما شرط من العقد، وإنما يجوز ذلك إذا عاد مال القراض إلى غير الصفة التي أخذه العامل عليها، وذلك مثل أن يكون مال القراض دنانير فيصير دراهم فيشتركان بالدراهم.
(مسألة) :
وأما معونة الغلام، فإن كان شرط العامل خدمته في المال الكثير الذي يحتاج إلى المعونة فيه فاختلف فيه قول مالك في كتاب محمد، وهو إجازته أن هذا مال تجوز المعاملة عليه ببعض نمائه الخارج منه فجاز أن يشترط فيه خدمة العبد الواحد إذا كان كثيرا كالمساقاة، ووجه الرواية الثانية أن المساقاة تختص بالخدمة، ولذلك لا يجوز أن يخرج من الحائط من كان يعمل فيه من الخدام فلذلك جاز أن يشترط فيه الخادم، وأما القراض فلا يجوز أن يشترط في الخادم.
(فرع)
فإذا قلنا إن ذلك جائز فالفرق بينه وبين رب المال أن العامل إذا عمل في ماله نظر فيه بالحفظ له، وذلك غير جائز كما لو جعل غلامه أو وكيله معه ليحفظ عليه فإن ذلك غير جائز، وإنما يجوز إذا كان بمجرد الخدمة والمعونة ولو أعانه بغلامه من غير شرط فلا بأس بذلك على القولين والله أعلم.
(فصل) :
وقوله على أن الربح بينهما يحتمل وجهين:
أحدهما: أن يكون الربح بينهما على أجزاء اتفقا عليها عند عقد القراض وليس في ذلك حد كالمساقاة.
(مسألة) :
ويجوز أن يكون جميع الربح للعامل أو لرب المال بالشرط هذا هو المشهور من مذهب مالك.
وقال أبو حنيفة والشافعي لا يجوز ذلك ويكون القراض فاسدا إلا أن أبا حنيفة يقول إذا شرطا الربح للعامل صار قراضا وإذا شرطاه لرب المال صار بضاعة.
(فصل) :
والوجه الثاني أن يقول الربح بينهما ولا يذكرا مقدارا أو يقول اعمل في هذا المال على أن لك في الربح شركا أو شركة ذلك كله جائز، وقال محمد بن الحسن إذا قال على أن لك شركة في الربح فهو جائز وإذا قال على أن لك شركا فهو قراض فاسد.
(فرع)
فإذا قلنا بجواز ذلك فقد قال ابن القاسم إن عمل على ذلك فهو على قراض مثله، وقال غيره له النصف وجه القول الأول أن الشركة لما احتملت النصف وغيره كانت بمنزلة إن لم يذكرا شيئا بينهما وعمل العامل من غير شرط فله قراض المثل وجه القول الثاني أن إطلاق لفظ الشركة يقتضي تساوي الشريكين ولا يعدل عن ذلك إلا ببيان فيحمل عند الإطلاق على ظاهره كما لو أقر رجلان أنهما شريكان في هذا المال، ثم ادعى أحدهما مزية.
ما يجوز في القراض
(ص) : (مالك: وجه القراض المعروف الجائز أن يأخذ الرجل
المال من صاحبه على أن يعمل فيه ولا ضمان عليه ونفقة العامل من المال في سفره من طعامه وكسوته وما يصلحه بالمعروف بقدر المال إذا شخص في المال إذا كان المال يحمل ذلك، فإن كان مقيما في أهله فلا نفقة له من المال ولا كسوة) .
(ش) : PageV05P152 وهذا كما قال إن من سنة القراض
ما قدمناه من أن العامل يأخذ المال القراض ويعمل فيه ولا يكون عليه الضمان، وإنما هو من ضمان رب المال ولا خلاف في ذلك، فإن شرط الضمان على العامل فالعقد فاسد خلافا لأبي حنيفة في قوله العقد صحيح، والدليل على ما نقوله أن هذا نقل الضمان عن محله بإجماع فاقتضى ذلك فساد العقد والشرط أصل ذلك إذا باع منه شيئا على البائع ضمانه أبدا، ولذلك لو شرط عليه حميلا أو رهنا أو يمينا رواه ابن المواز عن ابن وهب قال ويرد إلى قراض مثله وباقي الفصل سيرد بيانه بعد هذا إن شاء الله.
(ص) : (مالك: ولا بأس أن يعين المتقارضان كل واحد منهما صاحبه على وجه
المعروف إذا صح ذلك منهما) .
(ش) : وهذا كما قال فإنه لا بأس بأن يعين العامل رب المال فيما ينفرد به
إذا كانت معونته على وجه المعروف المحض ولم يكن؛ لأن المال بيده، وهذا إذا كانت المعونة يسيرة مع كون المال الذي يقرضه بيد صاحبه فأما أن يبضع معه فقد قال مالك: يجوز القليل منه دون الكثير وكره ابن القاسم ما قل منه لشرط وجه ما قاله مالك: إن اليسير غير مقصود فلا تهمة فيه بخلاف الكثير الذي ينعقد العقد بسببه ويكون زيادة مقصودة فيه، ووجه ما قاله ابن القاسم أن ذكره واشتراطه في العقد ازدياد في القراض على العامل، وذلك يقتضي كونه مقصودا فيه.
(فرع)
فإذا قلنا برواية مالك فإذا كان ذلك مما لا يتحمل مال القراض لكثرته فيحتمل ذلك العامل ومال القراض ناض فقد قال مالك: لا يجوز ذلك، ووجهه أنه لما كان لكل واحد منهما حل العقد كان ذلك بمنزلة حال العقد وكل شيء يمنع صحة العقد حال العقد فإنه يمنع صحة العقد ما كان رأس المال باقيا على صفته، وإن كان رأس المال قد شغله العامل في تجارة قال مالك: فإنه لا يجوز، ووجهه أن هذا وقت ليس لرب المال انتزاعه من العامل فتبعد التهمة فيه ويحمل على أن العامل متبرع به والله أعلم.
(مسألة) :
وأما معونة رب المال للعامل فقد تقدم الكلام فيه إذا كان المال بيد العامل بأن أراد العامل أن يبضع معه شيئا من مال القراض.
(ص) : (مالك ولا بأس بأن يشتري رب المال ممن قارضه بعض ما يشتري من السلع
إذا كان ذلك صحيحا على غير شرط) .
(ش) : وهذا كما قال إنه لا بأس أن يشتري رب المال من العامل بعض ما
ابتاعه من السلع إذا كان ذلك على وجه الصحة ما لم يكن على وجه الهدية لإبقاء المال بيده أو ليتوصل بذلك إلى أخذ شيء من الربح قبل المقاسمة، وسواء اشترى منه بنقد أو إلى أجل رواه عيسى عن ابن القاسم، وذلك إذا كان اشترى منه بنقد أخرجه من عنده، ووجه ذلك أنه اشتراها منه بما يتبايع به الناس فقد سلما من التهمة ووجوه الفساد فجاز ذلك بينهما.
(مسألة) :
فإن اشتراها ليأخذها من القراض ففي كتاب محمد عن ابن القاسم لا خير فيه.
(مسألة) :
وإن اشترى العامل من رب المال سلعا فلا يخلو أن يبتاعها بمال القراض أو لنفسه فإن ابتاعها منه للقراض بمال القراض ففي كتاب محمد اختلف فيه قول مالك فروى عنه عبد الرحيم أنه خففه إن صح وروى عنه ابن القاسم كراهيته، وكذلك الصرف وجه الرواية الأولى أنه إذا صح البيع منهما جاز كما لو باع العامل من رب المال، ووجه رواية ابن القاسم ما يحذر من تغابن العامل له وزيادته في ثمن سلعته فيتوصل بذلك إلى أخذ منفعة من مال القراض قبل القسمة وربما أثر ذلك في مال القراض نقصا يحتاج العامل إلى جبره بعمله، وإن ابتاع العامل لنفسه فهو جائز قاله ابن القاسم، ووجه ذلك أن التبايع لم يقع في مال التجارة فلم يؤثر في ذلك فسادا في عقدها كمبايعة الأجنبي.
(مسألة) :
فإن ابتاع العامل من رب المال بعض سلع القراض فلا يخلو أن يكون ذلك مع استدامة القراض أو مع التفاضل فيه، فإن كان مع استدامته فإنه يجوز نقدا ولا يجوز إلى أجل خلافا لليث