روى عقبة بن عامر: «قلنا يا رسول الله إنك تبعثنا فنمر بقوم لا يقروننا فماذا ترى فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: إن أمروا لكم بما ينبغي للضيف فاقبلوا فإن لم يفعلوا فخذوا منهم حق الضيف الذي ينبغي يحتمل» - والله أعلم - أن يكون هذا في أول الإسلام لمن كان يجتاز غازيا على أهل عهد ممن لم يكن يقدر على استصحاب الزاد إلى رأس مغزاته ولا يصل إلى الغزو والجهاد الذي تعين فرضه ووجوبه إلا بالقرى في الطريق ويحتمل أن يكون ذلك بعد أن افتتحت خيبر وغيرها من بلاد العنوة إن كان شرط ذلك على أهلها وأما أهل الحضر فقوله قال مالك - رحمه الله - ليس على أهل الحضر ضيافة.
وقال سحنون الضيافة على أهل القرى وأما أهل الحضر فإن المسافر إذا قدم الحضر وجد منزلا وهو الفندق وإنما أراد بذلك أنه يتأكد الندب إليه ولا يتعين على أهل الحضر بعينه على أهل القرى لمعان أحدها أن ذلك يتكرر على أهل الحضر فلو التزم أهل الحضر الضيافة لما خلوا منها وأهل القرى يندر ذلك عندهم ويقل فلا تلحقهم بذلك مشقة والوجه الآخر أن المسافر يجد في الحضر من المسكن والطعام وغير ذلك ما يحتاج إليه فلا تلحقه المشقة لعدم الضيافة وأما في القرى الصغار فلا يجد ما يحتاج إليه فهو كالمضطر إلى من يضيفه وحكم القرى الكبار التي توجد فيها الفنادق والمطاعم للشراء ويكثر ترداد الناس عليها حكم الحضر، والله أعلم وأحكم، وهذا فيمن لا يعرفه الإنسان وأما من يعرفه معرفة مودة أو بينه وبينه قرابة، أو بينه وبينه معنى يقتضي المواصلة والمكارمة فحكمه في الحضر وغيره سواء، والله أعلم وأحكم.
(فصل) :
وقوله - صلى الله عليه وسلم - جائزته يوم وليلة يحتمل أن يريد - والله أعلم - منحته وعطيته؛ لأن الجائزة العطية ويحتمل عندي أن يريد به ما يجوز ويمضي به عنه إلى غيره يوم وليلة وهو قوته في مبيته عنده وغذاؤه في غده قال عيسى بن دينار في المزنية معنى جائزته يوم وليلة يتحفه ويكرمه ويفعل به أفضل ما يستطيع ورواه يحيى بن يحيى عن ابن نافع فإذا كان هذا معناه فمعنى قوله - صلى الله عليه وسلم - بعد ذلك: والضيافة ثلاثة أيام يريد يطعمه فيها ما يستطيع عليه وعلى التأويل الأول فإنه خص الضيافة لمن أراد المقام بثلاثة أيام ومن أراد الجواز فيوم وليلة.
(فصل) :
وقوله - صلى الله عليه وسلم - فما كان بعد ذلك فهو صدقة يريد - والله أعلم - أنه ليس له حكم الجائزة المتأكد حكمها للمجتاز لا حكم الضيافة المشروعة للضيف وإنما هي صدقة مختصة بالمعترض والمقيم عليها طالب صدقة إلا أنها صدقة نفل وصدقة النفل تحل للغني والفقير وإنما الذي يحرم من الصدقة على الغني صدقة وجبت للفقراء وقد كان عبد الله بن عمر يقبل الضيافة ثلاثة أيام، ثم يقول لنافع: أنفق فإنا لا نأكل الصدقة ويقول: احبسوا عنا صدقتكم قال القاضي أبو الوليد - رضي الله عنه - ومعناه عندي أنه لا يقبل ذلك ولا يرضاه لنفسه ولا يلزم أحدا أن يقبل صدقة يتصدق بها عليه مع السلامة ولو قبلها حلت له ويحتمل - والله أعلم - أن يريد به لا نقبل صدقة هؤلاء القوم الذين نزلنا عندهم ولو نزل على غيرهم لقبل ضيافتهم شهرا؛ لأنه لا خلاف أنه لو نزل على أبيه عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -، أو على ابنه سالم، أو على أخيه عاصم لم يرد طعامهم بعد ثلاثة أيام.
(فصل) :
وقوله - صلى الله عليه وسلم - ولا يحل له أن يثوي عنده حتى يحرجه يريد لا يحل له أن يقيم عنده حتى يحرجه قال عيسى بن دينار يريد يضيق عليه ويثقله من الحرج وهو الضيق ويحتمل أن يريد به حتى يؤثمه وهو أن يضر به مقامه عنده حتى يقول قولا، أو يفعل فعلا يأثم به مع أن ما يعطيه بعد أن يبرم بطول مقامه عنده لا تطيب به نفسه ومثل هذا لا يحل للمقيم عنده على هذه الحالة، والله أعلم وأحكم.
(ص) : (مالك عن سمي مولى أبي بكر عن أبي صالح السمان عن أبي هريرة أن
رسول الله - صلى الله عليه وسلم -