السؤال على عين من الأعيان انصرف بالعرف والعادة إلى المنافع المقصودة من المرأة الاستمتاع والوطء فكان السؤال على ما يحل له من وطئها في حال حيضها لما علم أنه ممنوع من وطئها في الفرج لقول الله تعالى ﴿ويسألونك عن المحيض قل هو أذى فاعتزلوا النساء في المحيض﴾ [البقرة: 222] وانصرف الاعتزال أيضا إلى اعتزال وطء لما تقدم ذكره وعلم هذا السائل أن الاستمتاع بالنظر إليها والمباشرة لها والقبل وغير ذلك من الاستمتاع مباح فطلب تحديد المباح وتمييزه من المحظور.
(فصل) :
وقوله «- صلى الله عليه وسلم - لتشد عليها إزارها ثم شأنك بأعلاها» جواب للسائل ونص منه له على المباح بأنه ما فوق المئزر وليس بمباح فلا يجوز أن يطأ امرأته تحت الإزار في فرج ولا غيره وبهذا قال أبو حنيفة والشافعي وذهب أصبغ من أصحابنا ومحمد بن الحسن من أصحاب أبي حنيفة إلى أنه يجوز وطؤها تحت الإزار فيما عدا الفرج والدليل على صحة القول الأول قوله تعالى ﴿قل هو أذى فاعتزلوا النساء في المحيض﴾ [البقرة: 222] وعلم أنه أراد اعتزالهن بالوطء فيجب حمل ذلك على عمومه إلا ما خصه الدليل واستدلالي في المسألة وهو أن الوطء في الحيض إنما منع لموضع أذى الدم أن ينال الرجل أو يصيبه ولا يؤمن ذلك فيما دون الإزار وإنما جاز ذلك فيما فوق الإزار لأن ذلك يؤمن به وهذا القول أحوط والقول الثاني محتمل إذا أمن الدم.
(فصل) :
فأما الوطء في الفرج في وقت الحيض فلا خلاف في منعه فمن فعل ذلك فقد أثم ولا غرم عليه وبه قال أبو حنيفة والشافعي في الجديد.
وقال في القديم عليه دينار يتصدق به وبه قال ابن حنبل ودليلنا من جهة القياس أن هذا وطء محرم لا لحرمة عبادة فلم تجب فيه كفارة كالزنا.
(ص) : (مالك عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن «أن عائشة زوج النبي - صلى الله
عليه وسلم - كانت مضطجعة مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في ثوب واحد وأنها قد وثبت وثبة شديدة فقال لها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مالك لعلك نفست يعني الحيضة فقالت نعم قال شدي على نفسك إزارك ثم عودي إلى مضجعك» ) .
(ش) : قولها أنها وثبت وثبة شديدة يريد لما رأته من دم الحيضة لمكان رسول
الله - صلى الله عليه وسلم - معها وقوله «لعلك نفست» يريد لعل الموجب لوثبتك النفاس وهو الحيض فقالت نعم فأعلمها بما يجب أن تمتثله في مثل هذا الحال فقال «شدي على نفسك إزارك» يريد أن تشد الإزار على ما جرت العادة بشده عليها منها ونفسها حقيقتها ففهم من ذلك شدي الإزار على ما جرت به العادة كما لو قال شدي عليك إزارك لفهم ذلك منه.
(فصل) :
وقوله - صلى الله عليه وسلم - «ثم عودي إلى مضجعك» دليل على ما تقدم من مباشرة الحائض إذا ائتزرت ومضاجعتها لأن الذي حظر عليه وطؤها في موضع مخصوص وأما الالتذاذ بها فليس بممنوع ولا محظور.
(ص) : (مالك عن نافع أن عبيد الله بن عبد الله بن عمر أرسل إلى عائشة
يسألها هل يباشر الرجل امرأته وهي حائض فقالت لتشد إزارها على أسفلها ثم يباشرها إن شاء) .
(ش) : سؤال عبد الله عائشة وإن كان من أهل النظر والاستدلال لموضعها من
رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأنها عرفت ذلك من فعله مرارا فسألها عن ذلك فقالت لتشد عليها إزارها على أسفلها تريد على الوجه المعتاد ثم يباشرها إن شاء على ما تقدم من مباشرة الحائض بعد شد إزارها.
(ص) : (مالك أنه بلغه أن سالم بن عبد الله وسليمان بن يسار سئلا عن
الحائض هل يصيبها زوجها إذا رأت الطهر قبل أن تغتسل فقالا لا حتى تغتسل) .
(ش) : قوله هل يصيبها زوجها إذا رأت الطهر يريد بذلك إذا رأت علامة وجوب
الطهر وأما الطهر فليس بمرئي وإنما ترى المرأة من القصة البيضاء أو الجفوف