لا يصل إليه أذى من مخالفة إرادة ربه فيما يخصه فينتقم بذلك لنفسه قال مالك: بلغني أن يوسف - عليه السلام - قال ما انتقمت لنفسي من شيء فذلك اليوم زادي من الدنيا، وإن عملي قد لحق بعمل آبائي فألحقوا قبري بقبورهم، وروى ابن حبيب قال مالك «كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يعفو عمن شتمه» .
(فصل) :
وقولها - رضي الله عنها - «إلا أن تنتهك حرمة لله فينتقم لله بها» يريد والله أعلم أن يؤذى أذى فيه غضاضة على الدين فإن في ذلك انتهاكا لحرمات الله عز وجل فينتقم لله بذلك إعظاما لحق الله تعالى وقد قال به بعض العلماء أنه لا يجوز أن يؤذى النبي - صلى الله عليه وسلم - بفعل مباح ولا غيره، وأما غيره من الناس فيجوز أن يؤذى بمباح وليس له المنع منه ولا يأثم فاعل المباح، وإن وصل بذلك أذى إلى غيره قال ولذلك قال النبي - صلى الله عليه وسلم - «إذ أراد علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - أن يتزوج ابنة أبي جهل إنما فاطمة بضعة مني وإني والله لا أحرم ما أحل الله، ولكن والله لا تجتمع ابنة رسول الله وابنة عدو الله عند رجل أبدا» فجعل حكمها في ذلك، حكمه أنه لا يجوز أن يؤذى بمباح واحتج على ذلك بقوله عز وجل ﴿إن الذين يؤذون الله ورسوله لعنهم الله في الدنيا والآخرة وأعد لهم عذابا مهينا﴾ [الأحزاب: 57] ﴿والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا فقد احتملوا بهتانا وإثما مبينا﴾ [الأحزاب: 58] فشرط في المؤمنين أن يؤذوا بغير ما اكتسبوا وأطلق الأذى في خاصة النبي - صلى الله عليه وسلم - من غير شرط فحصل على إطلاقه.
(مسألة) :
ومن سب النبي - صلى الله عليه وسلم - فلا يخلو أن يسبه كافر أو مسلم فإن سبه مسلم قتل ولم يستتب، قاله عيسى بن دينار عن ابن القاسم عن مالك في العتبية.
وقال ابن القاسم: وكذلك إن عابه أو تنقصه فإنه يقتل كالزنديق لا تؤمن توبته وقد افترض الله تعزيره وتوقيره قال الله عز وجل ﴿فالذين آمنوا به وعزروه ونصروه﴾ [الأعراف: 157] فمن شتمه فهو بمنزلة من أدركه فلم يعزره ولم ينصره.
(مسألة) :
ومن لم ينصره لم يؤمن به ومن سب نبيا من الأنبياء قتل قال سحنون وأصبغ إن انتقصه قتل، ولم يستتب كمن شتم نبينا - صلى الله عليه وسلم - قال الله عز وجل ﴿لا نفرق بين أحد منهم﴾ [البقرة: 136] قال الشيخ أبو محمد في نوادره وكذلك من سب ملكا من الملائكة.
(فرع)
ومن شتم نبينا - صلى الله عليه وسلم - من أهل الكتاب فلا يخلو أن يكون حربيا أو ذميا فإن كان حربيا فحكمه إذا ظفر به حكم سائر الكفار، والإمام يلزمه أن يقتل المسرف في ذلك الذي قد شهر به كما فعل النبي - صلى الله عليه وسلم - في ابن خطل وفي مقيس بن صبابة وفي القينتين اللتين كانتا تغنيان بسبه - صلى الله عليه وسلم - فإن سبق ونادى بالإسلام لم يقتل كما فعل النبي - صلى الله عليه وسلم -.
(فرع)
وإن كان ذميا وذلك إذا شتم اليهودي أو النصراني بغير الوجه الذي كفر به قال سحنون وفرقنا بين من سب النبي - صلى الله عليه وسلم - من المسلمين وبين من سبه من أهل الكتاب؛ لأن المسلم لم ينتقل من ديننا إلى غيره فمن فعل شيئا فحده عندنا القتل ولا عفو فيه لأحد كالزنديق الذي لا تقبل توبته إذا لم ينتقل من ظاهر إلى ظاهر والكتابي الذي كان على الكفر لما انتقل إلى الإسلام بعد أن سب النبي - صلى الله عليه وسلم - غفر له ما قد سلف فلم يقتل قال الله عز وجل ﴿قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف﴾ [الأنفال: 38] كسائر الحدود التي لله عز وجل إذا ثبت في حق المسلم لم يسقط عنه، وإذا ثبت في حق الذمي سقط عنه بالإسلام قال سحنون فإن قيل فلم قتلت الذمي بذلك ومن دينه سب النبي - صلى الله عليه وسلم - وتكذيبه قيل لأنا لم نعطهم العهد على ذلك ولا على قتلنا وأخذ أموالنا فلو قتل واحدا منا لقتلناه، وإن كان من دينه استحلال دمائنا فكذلك سب النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا أظهره قال: وكذلك لو بذل لنا أهل الحرب الجزية على أن نقرهم على إظهار سب النبي - صلى الله عليه وسلم -