ومن طرح رجلا لا يحسن العوم في نهر على وجه العداوة والقتل فقد روى ابن القاسم عن مالك في الموازية يقتل به.
وقال ابن المواز فيمن أشار على رجل بالسيف فكرر ذلك عليه وهو يفر منه فطلبه حتى مات عليه القصاص وروى ابن حبيب عن ابن الماجشون فيمن طلب رجلا بسيف فعثر المطلوب قبل أن يدركه فمات عليه القصاص، وقاله المغيرة وابن القاسم وأصبغ.
(فصل) :
وأما المسألة الثانية في أن القصاص يكون بمثل ما قتل به ومن ألقى رجلا في النار فمات ألقي هو في النار، وبأي شيء قتل قتل بمثله، هذا المشهور من المذهب.
وقال أبو حنيفة: لا يجوز القود إلا بالسيف خاصة، والدليل على ما نقوله قوله تعالى ﴿فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم﴾ [البقرة: 194] وقوله تعالى ﴿فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به﴾ [النحل: 126] ، ودليلنا من جهة السنة الحديث المتقدم «أن يهوديا رضخ رأس جارية من الأنصار بحجر فاعترف فأتي به النبي - صلى الله عليه وسلم - فرضخ رأسه بين حجرين» ، ودليلنا من جهة القياس أن هذا أحد نوعي القصاص فجاز أن يستوفى بالسكين كالقصاص في الطرف.
(فرع)
إذا ثبت ذلك فإن لأصحابنا في فروع هذه المسألة اختلافا، وأصل المذهب ما قدمناه، فقد روى ابن المواز عن ابن الماجشون أنه قال من قتل بالنار لم يقتل بها والمشهور من قول مالك وأصحابه يقتل بها على ما تقدم، ووجه قول مالك قوله تعالى ﴿وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به﴾ [النحل: 126] ومن جهة القياس أن هذه آلة يقتل بها غالبا، فجاز أن يقتص بها كالسيف، ووجه قول ابن القاسم ما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال «لا يعذب بالنار إلا رب النار» ، واحتج من جهة المعنى بأن قال النار تعذيب ووجهه من جهة القياس أنه تفويت روح مباح فلم يجز تفويته بالنار كالذكاة.
(فرع)
وإن غرقه في الماء قال ابن القاسم: يغرق به رواه عنه عبد الملك بن الحسن في العتبية، وقال في المجموعة أشهب وعبد الملك قال ابن القاسم إن كتفه وطرحه في نهر فغرق صنع به مثل ذلك قال أشهب فإن كان ممن إذا كتف لم يغرق وحمله الماء أثقل بشيء ينزله إلى القعر حتى يموت.
(فرع)
وقال عبد الملك بن الماجشون: من قتل بالرمي بالحجارة لم يقتل بذلك؛ لأنه لا يأتي على ترتيب القتل وحقيقته فهو من التعذيب والمشهور من المذهب ما قدمناه، ووجهه وهو أن هذه آلة يقاتل بها الكفار فجاز أن يقتص بها كالسيف.
(مسألة) :
ومن قتل بعصا فقد قال مالك في المجموعة يقاد بها وروى عنه أشهب ففي العتبية إن كان ضربه ضربة واحدة يجهز عليه فيها، فإما أن تكون ضربات قال عنه أشهب: ينظر من أولى فإن خيف أن لا يموت من مثل ما ضرب به فليقتل بالسيف، قال فإن جار ذلك فضرب بالعصا مرتين كما ضرب فلم يمت، فإن رأى أنه إن زيد عليه مثل الضربة والاثنين مات زيد عليه حتى يموت.
وقال ابن القاسم يضرب بالعصا حتى يموت وقال عيسى بن دينار في المزنية ما كان من قود بعصا أو خنق أو حجر، أو ما أشبه ذلك فإن الولي يضرب أبدا بمثل ما قتل به وليه حتى تفيض نفس القاتل، ولكنه يؤمر بالاجتهاد في قتله ولا يترك والتطويل عليه لتعذيبه، وروى يحيى بن يحيى عن ابن نافع مثله ورواه ابن وهب عن مالك في المجموعة.
وقال مالك: يقتل بالعصا، ولم يذكر عددا فقول مالك هذا يحتمل أن يتأول على القولين، ورواية ابن وهب بينة في خلاف قول أشهب، والله أعلم وأحكم.
(مسألة) :
ولو أن القاتل قطع يدي رجل ورجليه، ثم قتله فقد قال عيسى في المزنية يقاد منه، كذلك قال القاضي أبو محمد، وبهذا قال أبو حنيفة والشافعي قال: وأما مالك فيرى أن القتل يجيء على جميع ذلك، وكان ينكر أن تقطع يده ثم يقتل، والذي قلت هو رأيي حملا على التظالم قال أصبغ: إن كان القاتل لم يرد قطع يده للعبث أو للألم، فإنه يقتل فقط، وإن كان أراد ذلك فعل به مثله