لا يقال في الإنسان يثبت فيه حكم كذا ما لم يقسم؛ لأن ذلك يقتضي أن له حالة يقسم فيها.
وما ينقسم على ضربين ضرب يقسم بالحدود كالأرضين وما فيها من المباني والأشجار وضرب ينقسم بغير حدود كالمكيل والموزون والمعدود وبعض المذروع فقوله - صلى الله عليه وسلم - «فإذا وقعت الحدود بينهم فلا شفعة» يقتضي اختصاص تعلق هذا الحكم بما يضرب فيه الحدود دون غيره مما لا تضرب فيه الحدود وينظر فيما ينقل ويحول مما لا ينقسم بضرب الحدود فإن وجدنا عليه ثبوت الشفعة فيه ألحقناه بما فيه الشفعة، وإن وجدناه مختصا بما تضرب فيه الحدود قصرنا الشفعة عليه ووجدنا ما تثبت الشفعة في جنسه يبطل حكم الشفعة فيه بالقسمة فثبت أن لكون المبيع مما تصح فيه القسمة بالحدود تأثيرا في إثبات الشفعة؛ لأنه قد وصف بذلك ما تثبت فيه الشفعة والظاهر أن الحكم إذا علق على صفة فإن تلك الصفة علة لذلك الحكم أو وصف من أوصاف علة ذلك الحكم وثبت بقوله فإذا وقعت الحدود فلا شفعة أن للقسمة تأثيرا في إبطالها وثبت أن الشفعة إنما ثبتت لإزالة ضرر، ولا تصح أن تكون لإزالة ضرر القسمة على الإطلاق فإن ضرر الشركة أثبت فيما لا يقسم كالعبد الواحد والثوب الواحد ولا شفعة فيه ولا يجوز أن يكون ضرر القسمة على الإطلاق؛ لأن في القسمة ما لا ضرر فيه كقسمة اليسير من الموزون والمكيل والمعدود فلم يبق ما لا يمكن أن يشار إليه إلا بالضرر اللاحق بنوع من القسمة وهو ما يلحق بقسمة الأرضين من الأجر والمؤن التي تختص بقسمة الدور والأرضين فإنه يقسمها غالبا قوم يختصون بعلم ذلك ويتمون لهم فيها مؤنة وأجرة غالبا وسائر الأشياء قسمتها لا تختص بقسام معين ولا يتمون فيها مؤنة ولا أجرة فثبت بذلك أن الشفعة مقصورة على ما يقسم بالحدود وهي الأصول الثابتة.
قال مالك في الموازية وغيرها إنما الشفعة في الأرضين وما يتصل بها من ثمرة، أو بناء فأما الأرض فالشفعة فيها عندنا ثابتة، وكذلك الشجر والبناء إلا أنه على ضربين:
أحدهما: أن يكون مقصود المنفعة والثاني أن يكون مرفقا للمال الذي تصح قسمته دون تعيين فأما الضرب الأول فإنه على قسمين:
أحدهما ينقسم مع بقاء اسمه وصفته كالحقل والدار الكبيرة التي يصيب بها كل واحد من المتقاسمين بالقسمة منها ما يقع عليه اسم حقل ودار والثاني لا ينقسم إلا بأن يتغير اسمه وصفته كالحمام الذي إن قسم لم يكن حظ كل واحد من المتقاسمين حماما فأما القسم الأول فعلى نوعين:
أحدهما لا مضرة في قسمته والثاني تلحق المضرة في قسمته فأما ما لا تلحق المضرة في قسمته فلا خلاف في المذهب في ثبوت الشفعة فيه وهو أن يجتمع فيه هذه الصفات الثلاث أن يكون مقصود المنفعة لنفسها كالحقل الذي منفعته بالمزارعة مقصودة والدار التي منفعتها بالسكنى مقصودة والشجر التي منفعتها بالثمرة مقصودة والثانية أن ينقسم دون تغيير والثالثة أن ينقسم دون مضرة.
(مسألة) :
فأما ما كانت منفعته غير مقصودة لنفسها كالطريق التي إنما تتخذ للانتفاع بممره، أو ساحة الدار التي إنما تتخذ ليرتفق بها في سكنى البيوت فسيأتي ذكره بعد هذا إن شاء الله تعالى وأما ما لا ينقسم مع بقاء منفعته كالحمام فقد اختلف قول مالك فيه فقال ابن المواز لم يختلف مالك وأصحابه أن الشفعة في الحمام.
وقال ابن الماجشون في غير الموازية وأبى مالك الشفعة في الحمام من قبل أنه لا يقسم إلا بتحويله عن أن يكون حماما وبه قال ابن القاسم فثبت أن هذا القسم مختلف فيه وجه القول الأول أن هذا ملك من الأصول الثابتة مشترك بين ملاك كاملي الملك فتثبت فيه الشفعة أصل ذلك ما لا يتغير بالقسمة ووجه القول الثاني ما احتج به له فوق هذا ومعناه أن ما لا يثبت فيه حكم القسمة فإنه لا يثبت فيه حكم الشفعة كالعبد والدابة وأما ما لا ينقسم إلا بضرر فسيأتي ذكره بعد هذا إن شاء الله تعالى.
(مسألة) :
وأما