يكون المعروف متكررا معتادا والوجه الثاني أن يكون المعروف متعينا، فأما المعروف المعتاد فإن اقترنت به القرابة كالأخ يكون في عيال أخيه أو تحت نفقته أو يتكرر عليه معروفه فهذه تهمة توجب رد شهادته له، وأما الصديق الملاطف الذي يناله معروف من يشهد له فعن مالك في ذلك روايتان إحداهما أن شهادته له مقبولة والثانية أنها مردودة فإن قلنا إنها مقبولة فالفرق بينه وبين الأخ أن المعروف يقترن بالأخوة والقرابة فتقوى التهمة، وفي مسألتنا إنما هي مجرد المعروف ولا يمنع ذلك قبول الشهادة؛ لأن الغني وذا المعروف لو لم تقبل له إلا شهادة من لا يناله معروفه لردت له شهادات أكثر الناس ولاقتضى ذلك منعه معروفه، ووجه الرواية الثانية أن هذا ممن يناله معروفه ويتكرم عليه فلم يقبل له شهادة كالأخ.
(مسألة) :
وأما المعروف المعين فعلى ضربين:
أحدهما: أن يكون مستداما والثاني أن يختص بوقت الشهادة، فأما المستدام فكشهادة العامل لرب المال قال سحنون في العتبية وغيرها إن كان شغل المال في سلع فشهادته له مقبولة، وإن كان عينا فشهادته مردودة، وروى عبد الملك عن الحسن عن ابن وهب في العتبية إن كان عينا فشهادته مقبولة، وإن كان معدوما فشهادته مردودة، ووجه قول سحنون أنه إذا شغل المال لم يكن لصاحبه أخذه فارتفعت التهمة وما يتوقع من أخذه من يده في المستقبل ضعيف في التهمة لبعد الأمد وعدمه، ووجه قول ابن وهب أن كون المال بيد العامل وجه لكسبه فيتهم في شهادته إن كان محتاجا إلى بقائه بيده لفقده وبعد التهمة مع غناه لاستغنائه عن ماله.
(مسألة) :
فإن كان للمشهود له على الشاهد دين فقد قال ابن القاسم وأشهب ومطرف وابن الماجشون إن كان غنيا قبلت شهادته، وإن كان فقيرا ردت شهادته زاد مطرف وابن الماجشون لأنه كالأسير في يده فإن كان الدين حالا أو قد قرب محله فهذا حكمه، وإن كان إلى أجل بعيد فيجيء على مذهب سحنون أن شهادته له جائزة وعلى قول ابن وهب أن شهادته مردودة قال القاضي أبو الوليد - رضي الله عنه - ومعنى الغني عندي في هذه المسألة أن لا يستضر بإزالة هذا المال عنه، فأما إن كان عنده وفاء به ولا مال له غيره فإنه فقير ترد شهادته؛ لأن الضرر العظيم يلحقه بتعجيل قبض الدين منه وله منفعة عظيمة في تأخيره به فكان ذلك يشبه قوته في رد شهادته.
(فصل) :
وأما ما يختص بوقت الشهادة فأن يقصد حين أداء الشهادة إلى أن يعطيه أو يصله أو يهبه أو يحابيه في بيع أو شراء قال هذا كله يوجب رد الشهادة للقريب والبعيد وبالله التوفيق.
(فصل) :
وأما القسم الثاني من التهمة لدفع المعرة فمثل أن يعدل الرجل ابنه أو أباه فهذا إذا لم يكن في نقل الشهادة فلا خلاف أن التعديل غير مقبول؛ لأنه مستجلب بشهادته الجاه والرفعة، وأما إن كان في نقل شهادة فقد قال ابن الماجشون في الواضحة والمجموعة إن كان مقصوده نقل شهادة، ولو ابتغى تعديله من غير هذا الناقل لوجد ذلك فإن التعديل مقبول، وإن كان يتعذر من غير هذا الوجه فالتعديل مردود.
وقال سحنون ومطرف لا يجوز تعديله له بوجه وجه قول ابن الماجشون أن هذا التعديل إنما حقيقته الإعلام بخبره فإذا كان مشهورا بالصلاح والخير يزكى من غير وجه فلا تهمة تلحق في ذلك، ووجه قول سحنون أن تعديل الأب ابنه لا يجوز؛ لأنه لا يجوز أن يشهد له بيسير المال وما يوجد تعديه من الجاه والرفعة أكثر من المال فبأن لا تجوز شهادته له به فشهادته له أولى.
(مسألة) :
وأما تعديل الأخ لأخيه الذي تقبل شهادته له في المال فقال ابن القاسم يجوز تعديله وهو في العتبية من رواية عبد الملك بن الحسن عن أشهب تعديله مردود وجه القول الأول ما أشار إليه من أن من جازت شهادته له في المال جاز تعديله له كالأجنبي وجه الرواية الثانية أن تعديله به شرف وجاه يتعدى إليه بخلاف