(فصل) سؤال عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - عن طلاق ابنه عبد الله امرأته
في حال حيضها لما ظهر إليه من منع ذلك أو لما سمع من النبي - صلى الله عليه وسلم - في ذلك من المنع ولم يسمع منه حكم ما يلزم من فعل ذلك ووقع منه.
وقد قال مالك وأصحابه: لا يجوز لأحد أن يطلق امرأة في دم حيض ولا دم نفاس لما ذكر في آخر الحديث من قوله - صلى الله عليه وسلم - «فتلك العدة التي أمر الله أن يطلق لها النساء» ، وهذا يقتضي منع الطلاق في غيرها.
(مسألة) :
ولا يجوز له أن يصالح امرأته في الحيض قاله ابن القاسم وأشهب، وأما الطلاق الذي يكون بغلبة من السلطان فيمن به جنون أو جذام أو عنة أو لعدم النفقة فقد قال مالك وابن القاسم وأشهب لا تطلق عليه في دم ولا حيض ولا نفاس، والأمة تعتق في الحيض لا ينبغي أن تختار حتى تطهر، فإن فعلت مضى، وأما المولى فروى أشهب لا تطلق عليه حال الحيض وروى ابن القاسم عن مالك تطلق عليه؛ وجه الرواية الأولى ما احتج به مالك قال: وكيف أطلق عليه وأجبره على الرجعة، ووجه القول الثاني أن الطلاق حق للزوجة قد وجب عليه لقوله تعالى ﴿للذين يؤلون من نسائهم تربص أربعة أشهر﴾ [البقرة: 226] إلى قوله: ﴿وإن عزموا الطلاق فإن الله سميع عليم﴾ [البقرة: 227] ، والارتجاع بعد ذلك حق لله تعالى فيجب أن يقضى بالحقين، وقد تقدم في كتاب الطلاق لزوم ما يوقع من الطلاق حين الحيض وبالله التوفيق.
(مسألة) :
إذا رأت الحائض القصة البيضاء فلا يطلقها زوجها حتى تغتسل، ووجه ذلك أن هذه حالة هي ممنوعة فيها من الصلاة ووطء الحائض لأجل الحيض فوجب أن يمنع الطلاق أصل ذلك ما دامت حائضا فإذا وضعت الحامل ولدا وبقي في بطنها آخر فطلقها الزوج فقد قال الشيخ أبو عمران: إن قلنا تطلق الحامل حال الحيض لم يجبر هذا على الرجعة، وإن قلنا بقول محمد في المستحاضة تميز فتطلق حال الحيض يجبر على الرجعة فيجري الأمر في هذه على تلك.
(مسألة) :
إذا انقطع الدم عن المرأة فطلقها زوجها ثم عاودها بالقرب أجبر الزوج على الرجعة قاله أبو عمران وأبو بكر بن عبد الرحمن، ووجه ذلك ما فيه من تطويل العدة إذ قد ظهر أنه مطلق في وقت يضاف ما بعده من الدم إلى ما قبله فتعد ذلك كله حيضة واحدة كالذي طلق حال الحيض قال القاضي أبو الوليد - رضي الله عنه -: والأظهر عندي أنه لا يجبر على الرجعة لأنه أوقع الطلاق في وقت يجوز إيقاعه فيه ويصح صومه ووطء الزوج فيه كما لو أوقعه حال طهر كامل، وقد رأيت ذلك لبعض الصقليين والله أعلم.
(مسألة) :
إذا ثبت ذلك فإن للزوج أن يطلق الصغيرة، واليائسة في أي وقت شاء ولا يوصف طلاقهما بأنه للسنة ولا للبدعة؛ لأن حالهما واحدة ليست لهما حالان فيختص إيقاع الطلاق بإحداهما، وإنما جميع تلك الحال وقت للعدة فكانت وقتا للطلاق.
(مسألة) :
وأما غير المدخول بها ففي طلاقها حال الحيض روايتان:
إحداهما: ما روى ابن المواز عن ابن القاسم أنه قال: لا بأس بذلك ونهى عنه أشهب وجه قول ابن القاسم ما احتج به من أنه طلاق لا يلحق به ضرر تطويل العدة كطلاق الطاهر، ووجه قول أشهب أنه طلاق حائض فتعلق به المنع كطلاق المدخول بها.
وقد قال الشيخ أبو عمران: منع أشهب إنما هو على الكراهية فإذا قلنا: إن ذلك ممنوع فإن طلاقها يتنوع إلى السنة، والبدعة من جهة الوقت على ما تقدم، وإن قلنا: إن ذلك مباح فلا يوصف بشيء من ذلك فقد قال القاضي أبو محمد في الحامل: إنه يتخرج طلاقها حال حيضها على ما تقدم ووجدت للقاضي أبي الحسن أن ذلك ممنوع وللشيخ أبي عمران أن ذلك مباح، وتوجيه القول فيه على ما تقدم.
(مسألة) :
فأما المستحاضة فعلى ضربين: مستحاضة لا تميز ومستحاضة تميز فأما التي لا تميز فحكمها حكم الصغيرة، واليائسة قال ابن شهاب: تطلق المستحاضة إذا طهرت للصلاة قال فجعل ذلك طهرها قال القاضي أبو الوليد - رضي الله عنه -: والأظهر عندي