ظهرك فقال هلال: والذي بعثك بالحق إني لصادق فلينزلن الله ما يبرئ ظهري من الحد فنزل ﴿والذين يرمون أزواجهم﴾ [النور: 6] حتى بلغ ﴿إن كان من الصادقين﴾ [النور: 9] » ويحتمل أن يكون - صلى الله عليه وسلم - كره التسرع في ذلك نظر ويحتمل أن يكون - صلى الله عليه وسلم - كره السؤال لمعنى يقترن به فكرهه لوجهين:
أحدهما: أن يكون من سؤال من يريد به التشغيب ولا يقصد التفقه كما كان يسأله بعضهم عن ناقة ضلت له، أو من أبوه وما جرى مجرى هذا.
وقد روي عنه أنه قال: اتركوني ما تركتكم، فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم لأنبيائهم واختلافهم عليهم.
والوجه الثاني أنه كان - صلى الله عليه وسلم - يكره كثرة السؤال لما فيه من التضييق على الناس، وإن لم يسأل عنه ووكل الناس فيه إلى اجتهاد علمائهم، وإذا سئل عن القضية ونص عليها لزم امتثال ذلك النص ولم تحل مخالفته وربما كان فيه بعض التشغيب فيؤدي ذلك إلى التضييق على الناس.
وقد روي عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «إن أعظم الناس جرما من سأل عن شيء لم يحرم فحرم من أجل مسألته» وليس هذا حكم سائر الناس وتساؤلهم عن المسائل، فإنه من قصد بسؤال العالم التبكيت، والتعنيت، والأذى لم يجز ذلك سواء وجد عنده علما، أو لم يجد لفساد مقصد السائل، فإن سأل على سبيل المناظرة، والمجاراة فيها ليتبين الحق أو يبديها في النظر ويستعان بذلك على استعماله إذا احتيج إليه فهو وجه من السؤال صحيح، ولو سأل على سبيل الاستفتاء من فرضه ذلك فهذا أمر واجب والله أعلم وليس في شيء من هذين الوجهين اللذين ذكرناهما وجه يتوقع الآن؛ لأن الشرع لا ينتقل عن الجواز إلى المنع لتكلم العلماء في وقتنا هذا في المسائل ولا لسؤال العالم وفتياه في الأحكام.
(فصل) :
وقوله: فلما رجع عاصم إلى أهله جاءه عويمر فقال: يا عاصم ماذا قال لك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يريد في مسألته التي كلف عاصما السؤال عنها؛ لأنه إنما جاءه مقتضيا الجواب فيها حين كلفه السؤال عنها فقال له عاصم: لم تأتني بخير يريد أن ما كلفتني من السؤال لم يثمر خيرا ولا سببه، فإن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد كره مسألتك، وهذا يقتضي أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لم يخبر عنها بشيء غير ما أظهر من كراهية السؤال، وعلى هذا ينبغي للعالم أن لا يسرع بالجواب عما استفتي فيه إذا لم يتبين له وجه الصواب فيه، وإذا خاف أن لا يتسبب به إلى محظور حتى يكشف عن وجهه وسببه وجهة السائل ومقصده ما أمكنه.
(فصل) :
وقول عويمر: والله لا أنتهي حتى أسأله عنها يريد استدامة ما كان عليه من السؤال عن مسألته وطلب حكمه ولم يرده عن ذلك ما ظهر إليه من كراهية النبي - صلى الله عليه وسلم - لمسألته حين لم يمكنه الصبر على ما زعم أنه ظهر إليه ولم يعلم ماله في ذلك من القول، والفعل ولعله خاف حملا فاحتاج إلى أن يعلم وجه نفيه عنه ولعله قد تأول في الكراهية لمسألته بعض ما ذكرناه مما لا يمنعه السؤال عنها إن كانت قد نزلت به، أو لعله رجا أن يبين من حاله إذا سأله ما يصل به إلى معرفة ما يريده من غير أن يوجب على نفسه حدا وترتفع به الكراهية فلما جاء إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سأل عن مسألته بمثل ما كان كلف عاصما أن يسأل له عنها وقوله في رجل وجد مع امرأته رجلا يحتمل أن يكون زاد على هذا أنه رآها تزني معه ويحتمل أن يكون اقتصر على هذا اللفظ فقط، فإن كان فسر ذلك فقد قال القاضي أبو محمد: إنه إذا ادعى الرؤية ووصف ذلك كما يصف الشهود على إحدى الروايتين وادعى الرؤية ولم يفسرها على الرواية الثانية.
فإن له أن يلاعن، وأما إذا لم يدع رؤية فهل يلاعن أم لا فعن مالك في ذلك روايتان إحداهما: يلاعن وبه قال أبو حنيفة والشافعي، والثانية أنه يحد ولا يلاعن، وجه قولنا