ولا يجهل فكأنما تكلمت بالقبول، ووجه ذلك أن ظاهر هذا الفعل القبول للتمليك إثر الطلاق وأقل ما يحمل عليه القبول للتمليك قال عبد الملك، فإن قالت بعد ذلك أردت ألبتة ألا ترى أني قد خمرت رأسي وفعلت ما تفعله المحرمة، فإن له أن يناكرها ويحلف أنه ما ملكها إلا واحدة وفي المجموعة عن ابن القاسم لا ينوي الزوج، ووجه ذلك أن ظاهر فعلها البينونة فترك الإنكار عليها في المجلس يقتضي الرضا بالثلاث وقيل عليه أن يحلف يمينا أخرى؛ لأنه لم يظن أن انتقالها أو ما فعلت يكون طلاقا بائنا ومقتضى قول ابن الماجشون وسحنون وأصبغ أن ذلك يلزمه مع يمينه أنه لم يملك إلا واحدة وقال ابن المواز: يمين واحدة تجزئه لجميع ذلك فيها، وهذا ليس بخلاف في الظاهر.
(فرع)
، فإن فعلت هذا من تخمير الرأس ونقل الثياب ثم قالت لم أرد به طلاقا ففي العتبية من رواية عبد الملك بن الحسن عن أبي وهب إن لم تكن اختارت فلا شيء لها.
(مسألة) :
فإن لم تفعل شيئا أو فعلت ما لا يستدل به على الطلاق كالأكل، والشرب ففي كتاب محمد إذا لم تفعل ما يستدل به على الفراق ثم قالت: أردت الفراق ونوته في المجلس لم يقبل قولها، وقد اختلف فيه قول مالك فقوله القديم إنما لها ذلك ما داما في مجلسهما، فإذا قاما من مجلسهما قبل أن تقضي شيئا بعد بطل التمليك ثم رجع عن ذلك وقال لها ذلك ولا يزيل التمليك عنها إلا أن يمكن من الاستمتاع أو يوقفها السلطان فتطلق أو ترد قال ابن القاسم: وقوله الأول أحب إلي، وجه القول الأول إما أن يكون توكيلا فله الرجوع عنه متى شاء؛ لأن عقد التوكيل غير لازم فله الرجوع عنه متى شاء، وإن كان هبة فهو عقد لازم فليس له الرجوع عنه ما داما في المجلس؛ لأنه وقت للقبول ومتى قاما من المجلس فقد تركت القبول فبطل ما كان لها من ذلك، وهذا أشبه؛ لأنه لو كان حكمه حكم التوكيل لوجب أن يبطله بأثر التمليك ولا خلاف نعلمه بين الفقهاء أنه ليس له ذلك بأثر تمليكه، وإنما اختلف الفقهاء في جواز رجوعه عن ذلك بعد وقت يمكنها فيه القبول ولم يظهر القبول ونحن إنما نقول له ذلك ما لم يقوما وإلى هذا ذهب الشافعي ورواه ابن وهب عن مالك في المبسوط ووجهه ما تقدم ووجه القول الثاني، وهو اختيار أبي علي بن خيران أنه طلاق معلق بصفة فليس له الرجوع عنه كما لو قال: إن دخلت الدار فأنت طالق.
(فرع) : فإذا قلنا بالقول الأول ليس لها ذلك إلا ما داما في المجلس، فإنه
لا يبطل ذلك بانقضاء وقت من يمكنها فيه اختيار الطلاق فلا يظهره، إنما لها ذلك بمقدار ما جرت به العادة من الجلوس، والارتياء في الأمر، والنظر فيه لما قدمنا أن حكمه حكم الهبة إن وهبها ما كان في يده من إيقاع الطلاق، فإن طال المجلس جدا وخرج عن المعتاد في ذلك ففي المدونة من قول مالك إنه إذا طال المجلس عامة النهار فعلم أنهما قد تركا ذلك وخرجا مما كانا فيه إلى غيره فقد بطل التمليك.
وقال أشهب ذلك بيدها، وإن أقاما في المجلس وجه القول الأول أن مجلس التعارض، والأخذ في مثل هذا معتاد، فإذا طال المجلس وزاد على ذلك الزيادة البينة التي يعلم بها الخروج عن هذا الأمر وترك النظر فيه بطل ما لها من القبول كما لو قامت من المجلس، ووجه الرواية الثانية ما احتج به أشهب من حديث ابن عمر أن ذلك لها ما داما في المجلس ولأن المجلس، وإن طال، فإنها على الصفة التي أبيح فيها الارتياء لم تنتقل عنها، وقد يحتاج هذا من النظر، والارتياء إلى ما يزيد على مقدار المجلس المعتاد.
(فرع) : فإذا قلنا: إن لها ذلك في المجلس ما لم يخرجا عما كانا فيه ويظهر
تركه، فإن معنى ذلك الترك أن يأخذا في كلام غيره، وأما أن تمتشط أو تسكت أو تعمل عملا، فإن ذلك لا يكون قطعا لخيارها رواه ابن سحنون عن أبيه وهذه مسألة فيها نظر؛ لأن الترك لما كانا فيه قد يكون بالأعمال، والنوم وطول المجلس المفرط الذي يظهر به الترك لما كانا فيه كما يكون بالأخذ في كلام