ولم نفرق بين من يتأتى ذلك منه وبين من لا يتأتى؛ لأنه لا يمكننا تمييز وقت إمكانه من وقت تعذره فوجب أن يكون حكم جميعه حكم ما يمكن ذلك فيه، ولذلك جعلنا عدة الوفاة وحكم الإحداد على الصغيرة لما تعذر علينا تمييز الصغر من الكبر.
(مسألة) :
عهدة الثلاث لازمة في الأمة الرائعة التي تجب فيها المواضعة إلا أنها داخلة في جملة الاستبراء إن استغرقها أمر الاستبراء لما كان حكم عهدة الثلاث حكمه، فإن ذهب الاستبراء جملة ولم يثبت كاستبراء الأمة الحامل أو شراء الرجل زوجته فعهدة الثلاث فيها ثابتة ظاهرة لتعريها عن أحكام المواضعة وكذلك التي تشترى في عظم دمها.
الباب الرابع في محل العهدة من العقود
أما محل العهدة من العقود وتمييز ما تثبت فيه العهدة منها مما لا تثبت فإن ما يتعاوض به من الرقيق على ضربين: معين وثابت في الذمة موصوف، فأما المعين فإن المعاوضة به على ضربين:
أحدهما: أن يكون العقد مبنيا على المغابنة والمكايسة كالبيع، والثاني أن يكون مبنيا على المكارمة فأما البيع فإنه لا يخلو أن يكون بيع براءة أو بيعا مطلقا، فإن كان بيع براءة فقد قال ابن كنانة في المزنية ومن اشترى رقيقا من أهل الميراث فإنه بيع براءة ولا عهدة لمشتريه لا عهدة ثلاث ولا عهدة سنة، وضمانها من أهل الميراث في عدة الاستبراء إن كانت من علي الرقيق، ورواه ابن القاسم عن مالك، وإن كان بيعا مطلقا فقد تثبت فيه العهدة على ما قدمناه.
(مسألة) :
وأما إن كان مبنيا على المكارمة كعقدة النكاح فاختلف فيه قول مالك في كتاب ابن المواز فقال مرة فيه العهدة وبه قال أشهب، وقال مرة لا عهدة فيه، وقاله سحنون.
فوجه قوله بثبوت العهدة أنه عقد معاوضة فكان حكم العهدة فيه ثابتا كالبيع، ووجه القول الثاني أن النكاح يقتضي استباحة الاستمتاع حين العقدة ولا يجوز في عهدة الثلاث قبض العوض الذي هو البضع فلو ثبتت العهدة في النكاح بالرقيق لوجب أن يبطل النكاح لتعذر استباحة الاستمتاع حين العقد أو لاقتضاء العوض ولاقتضاء العوض قبل انقضاء عهدة الثلاث، وقد أجمعنا على صحة النكاح بالرقيق يثبت بذلك أن لا عهدة فيهم، وهذا التعليل يقتضي أن لا عهدة في غير مخالع به؛ لأن عوضه يحصل بنفس العقد، وذلك ينفي العهدة، وقد قاله سحنون في العبد المخالع به والمصالح به.
(مسألة) :
وأما الإقالة والشركة والتولية والسلف فقال ابن حبيب لا إقالة في عهدة ولا سلف ورواه ابن المواز عن أصبغ، وقال سحنون لا عهدة فيما سلف من الرقيق فكأنه قصر هذا الحكم على ابتداء الغرض لا على قضائه، ووجه ذلك أنه عقد مبني على المكارمة كعقد النكاح.
وقد روى ابن حبيب عن ابن الماجشون أنه لا عهدة في العبد الموهوب للثواب، ووجه ذلك ما قدمناه ويحتمل أن يكون في الإقالة وغيرها مما ذكرناه معها، قول ثان أن العهدة تثبت فيها، فإن كانت بعد انقضاء العهدة الأولى فهذا على قولنا أن الإقالة بيع، وإن قلنا إنه فسخ بيع على ما تأوله بعض أصحابنا في الشفعة والمرابحة فلا عهدة فيها قولا واحدا.
(مسألة) :
وأما الرد بالعيب فروى أشهب عن مالك لا عهدة فيه، ووجه ذلك أنه فسخ بيع وليس بعقد معاوضة وفسخ البيع لا عهدة فيه كالبيع الفاسد يفسخ.
(فصل) :
وأما غير المعين وهو الثابت في الذمة فإنه أيضا على ضربين:
أحدهما: أن يثبت معاينة كالسلم والثاني أن يثبت بعقد مكارمة كالنكاح والقرض فأما السلم فاختلف أصحابنا فيه فروى ابن المواز فيه العهدة وبه قال ابن حبيب، وقال ابن المواز لا عهدة فيه، وإن كان بلد العهدة إلا أن يشترطها، فإن كانت أمة ففيها الاستبراء، وقال ابن القاسم ليس فيها عهدة ثلاث وعهدة السنة تبع لها.
وقد قال