أصحابنا ومنه ما اختلفوا فيه فأما تعليق المشي كقولك إلى بيت الله أو إلى الكعبة أو لشيء منه كقولك إلى الركن أو الحجر أو بما يشتمل عليه البيت من جهة البنيان كقولك إلى المسجد الحرام أو إلى مكة فهذا لا خلاف في المذهب في وجوب المسير والمشي.
وقد اختلفت الرواية عن ابن القاسم في إلحاق الحجر والحطيم بذلك وقال أصبغ إذا سمى شيئا إما بقرية مكة كقولك الصفا والمروة وأبي قبيس وقعيقعان وأجنادين والأبطح والحجون وشبه ذلك لزمه وإذا سمى ما هو خارج من قرية مكة لم يلزمه وقال ابن حبيب إذا سمى شيئا مما في الحرم كمنى والمزدلفة وغير ذلك لزمه وإن سمى شيئا مما هو خارج الحرم لم يلزمه إلا عرفة.
وقد روى القاضي أبو إسحاق مثل هذا عن أشهب وزاد إلا أن ينوي الموضع المسمى بعينه فلا يلزمه وبهذا قال الشافعي إلا ذكر عرفة.
وقال أبو حنيفة لا يلزمه في القياس شيء من ذلك كله ونستحسنه إذا قال إلى بيت الله أو الكعبة ومكة.
فوجه قول ابن القاسم أنه علق المشي بغير البيت مما لا يشتمل عليه بالبنيان فلم يلزمه أصل ذلك إذا علقه بسائر البلاد، وقولنا مما لا يشتمل عليه بالبنيان احترازا من قوله على المشي إلى الحرم فقد قال ابن القاسم لا يلزمه ومعنى ذلك أنه لا يشتمل على البيت بالبنيان وهذا فارق قوله على المشي إلى مكة وإلى المسجد الحرام لأن مكة والمسجد الحرام يشتملان على البيت بالبنيان ووجه قول أصبغ ما احتج به ابن حبيب من قوله ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام ومعنى ذلك أن هذا الحكم عنده مختص بحاضري المسجد الحرام وهي القرية وما كان فيها وأما المسألة الثانية فيما يلزم من نذر مشيا أو مسيرا فقد ذكرنا أن من نذر مشيا إلى مكة أنه يلزمه المشي إليها لأنه صرح بالمشي وإن صرح بهذا المشي فنذر الركوب إلى مكة أو لم يصرح فنذر الانطلاق إلى مكة أو المسير إليها ففي المدونة عن ابن القاسم قولان أحدهما الركوب وبه قال أشهب والثاني أنه لا شيء عليه إلا أن ينوي حجا أو عمرة وجه القول الأول أن مكة تتعلق بها عبادة وهي الحج والعمرة فإذا نذر المضي إليها لزم بمجرد النذر وإن لم تقترن بنذره نية كمن نذر المضي إلى مسجد الرسول - عليه الصلاة والسلام - ووجه القول الثاني أن هذا اللفظ لا يستعمل في المضي إلى مكة على وجه النذر والقسم فلذلك لم يلزم به حكم حتى تقترن به نية القربة كمن نذر المضي إلى المدينة على ساكنها أفضل الصلاة والسلام ومعنى قول ابن القاسم في القول الأول عليه الركوب يريد فيمن نذر الركوب إلى مكة.
وقد قال ابن المواز عن أشهب في هذا إن أراد المشي لم يجزه ذلك لأنه أراد التخفيف عن نفسه وأما الذي ينذر المسير أو الذهاب فهو مخير بين الركوب والمشي لأن نذره لم يتعلق بأحدهما بلفظ ولا نية.
(فرع)
إذا ثبت ذلك فمن نذر مشيا أو مضيا فلا يخلو أن يقيد ذلك بحج أو عمرة أو يطلقه فإن قيد ذلك بحج أو عمرة وكان تقييده ذلك بلفظ أو نية لزمه على ما التزمه ولم يجز له أن يقضيه ولا شيء منه في غير ما قيده في رواية ابن القاسم عن مالك وروى ابن حبيب عن ابن الماجشون إن قيده بحج لم يجز له أن يقضي ما فاته من مشيه في عمرة وإن قيده بعمرة جاز له أن يقضي ما فاته منه في حج لأن عمل الحج أكثر وجه قول مالك أنه قد قيد نذره بنسك فلا يجوز له أن يؤديه ولا يقضي شيئا منه في غيره أصل ذلك إن قيده بالحج فليس له أن يؤدي مشيا ولا يقضي شيئا منه في عمرته.
(فرع)
فإن لم يقيده بلفظ ولا نية لم يجز له أن يجعل مشيه في مسير حج ولا عمرة رواه ابن وهب عن مالك ووجه ذلك أن المضي في نفسه ليس بقربة إلا إذا كان لأداء عبادة فلذلك لم يلزم بالنذر إلا على وجه القربة فإذا قلنا لا بد له من أحدهما جاز له أن يجعل ذلك في حج أو عمرة.
وأما المسألة الثالثة في ابتداء ذلك في الزمان والمكان فإن ذلك أيضا على وجهين:
أحدهما: أن