تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

لما يرجى من استيلاء الإسلام عليه وانتفاعهم به وما كان بحيث لا يرجى مقام المسلمين به لبعده وتوغله في بلاد الكفر فإنه يخرب عامره ويقطع شجره المثمر وغيره لأن في ذلك إضعافا لهم وتوهينا وإتلافا لما يتقوون به على المسلمين قال ابن حبيب قال مالك وأصحابه: إنما نهى الصديق عن إخراب الشام لأنه علم مصيرها للمسلمين وأما ما لا يرجى ظهورهم عليه فخراب ذلك مما ينبغي قال ابن حبيب: هو الصحيح «وقد حرق النبي - صلى الله عليه وسلم - نخل بني النضير» .

(فصل) :

وقوله ولا تعقرن شاة ولا بعيرا إلا لمأكلة وهذا أيضا على ضربين:

أحدهما: أن يكون الإبل والغنم فيستطيع المسلمون أن يخرجوا بها ويتمولوها فلا تعقر إلا لحاجة ويحتمل أن يريد بالعقر الذبح والنحر فيقول: لا يسرع بذبحها ونحر إبلها إلا لحاجتهم إلى أكلها فأما على وجه السرف والإفساد أو على وجه التمول والإخراج للبيع إلى بلاد المسلمين فلا، ويحتمل أن يريد بالعقر الحبس لما شرد منها بالعقر الذي يحبس ما ند وشرد ولا تبلغ مبلغ القتل فيقول ما شرد عليكم فلا يمكنكم ركوبه واستعماله فلا ترموه ولا تعقروه وليكن في جملة ما يساق من الإبل ولا تعقروه على الوجه المذكور إلا لحاجتكم إلى أكله فاحبسوه بالعقر ثم ذكوه بعد التمكن منه بالنحر.

(مسألة) :

والضرب الثاني من الإبل والغنم ما يعجز المسلمون عن إخراجه فإنه يقتل أو يعقر وهو الذي عناه بقوله المروي عنه في كتاب ابن المواز ولا بأس أن يعقر غنمهم وبقرهم وإن لم يحتج إلى ذلك لأن في ترك ذلك تقوية للعدو وفي إتلافه إضعافا لهم فإن كانوا ممن يأكل الميتة فالصواب أن تحرق بعد العقر إن أمكن ذلك ليبطل انتفاعهم بها وبالله التوفيق فعلى هذا يحمل قول أبي بكر - رضي الله عنه - على ما يمكن إخراجه وحمله ابن وهب على عمومه فقال: لا يجوز قتل شيء من الحيوان إلا لمأكلة.

(مسألة) :

وأما دوابهم وخيلهم وبغالهم وحمرهم فإنها تعقر إذا عجز عن إخراجها والانتفاع بها لم يختلف في ذلك أصحابنا غير ابن وهب وبه قال أبو حنيفة وقال الشافعي: لا يجوز عقرها وبه قال ابن وهب من أصحابنا ولكن تخلى والدليل على ما نقوله: إن هذه أموال باقية يتقوى بها العدو فجاز إتلافها عليهم كالزرع القائم والشجر المثمر.

(فرع)

واختلف أصحابنا في صفة العقر فقال المصريون من أصحاب مالك: تعرقب وتذبح أو يجهز عليها وقال المدنيون من أصحابنا: يجهز عليها وكرهوا أن تذبح أو تعرقب قال ابن حبيب وبه أقول لأن الذبح مثلة والعرقبة تعذيب وهذا الذي قاله ابن حبيب ليس ببين لأن الذبح لم يكره في الخيل لأنه مثلة وإنما كره لأنه ذريعة إلى إباحة أكلها قال أصحابنا: يضرب عنقه وتبقر بطنه فأما العرقبة فإنه تعذيب على ما ذكره والصواب الإجهاز عليه بوجه يمنع أكله عند من قال بذلك ووجه ما حكاه عن البصريين أنه ربما اضطر إليه أحد من المسلمين فيكون أولى من الميتة وكذلك ما وقف من خيل المسلمين ببلد العدو فحكمه عند مالك وأصحابه ما ذكرناه في خيل العدو وأما سائر الأموال مما ليس بحيوان فإن عجز عنه أحرق ولم يترك طعاما كان أو غيره.

(فصل) :

وقوله ولا تحرقن نحلا ولا تغرقنه يريد ذباب النحل لا يحرق بالنار ولا يغرق في ماء واختلف قول مالك فيما لا يقدر على إخراجه من ذلك فروى ابن حبيب عن مالك يحرق ويغرق.

وروي عن مالك أنه كره ذلك وجه الرواية الأولى أنه لا طريق إلى إتلافها إلا بذلك وإتلافها مأمور به لأنها مما يقوى به العدو فإذا لم يكن إتلافها إلا بالنار توصل إليه بها كالفارين من العدو ووجه الرواية الثانية ما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «قرصت نملة نبيا من الأنبياء فأمر بقرية من النمل فأحرقت فأوحى الله إليه إن قرصتك نملة أحرقت أمة من الأمم تسبح» وهذا ما لم تدع إلى ذلك حاجة أكل فإن

المنتقى شرح موطأ · الجزء ٣ · الصفحة ١٧٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

المنتقى شرح موطأج ٣ · ص ١٧٠