تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

(فصل)

وقوله - رضي الله عنه - إني موصيك بعشر خلال لا تقتلن امرأة ولا صبيا على حسب ما تقدم من المنع من قتل النساء والصبيان وأن الصبي هو الذي لم يحتلم ولم ينبت فإن أنبت ولم يحتلم فهل يقتل أم لا؟ اختلف أصحابنا في ذلك فقال أكثرهم: يقتل وقال ابن القاسم: لا يقتل حتى يحتلم وجه القول بالقتل ما روي عن عطية القرظي أنه قال: «عرضنا على النبي - صلى الله عليه وسلم - يوم قريظة فكان من أنبت منا قتل ومن لم ينبت خلي سبيله فكنت فيمن لم ينبت فخلي سبيلي» ومن جهة المعنى أن الاحتلام إنما يتعلق به حقوق الباري تعالى وأما حقوق الآدميين فالأحكام التي تنفذ بين الناس فلا يجوز أن تتعلق بالاحتلام لأنه أمر لا يدرى ويمكن كتمانه وادعاؤه وإنما يجب أن يعلق ذلك بأمر يظهر وتمكن معرفته بالنظر إليه وهو الإنبات على أنه في الأغلب لا يتأخر عن الاحتلام ولا يتقدم عليه بكثير مدة وأكثر ما يكون مقارنا له والله أعلم.

(فصل)

وقوله - رضي الله عنه - ولا كبيرا هرما يريد الشيخ الهرم الذي بلغ من السن ما لا يطيق القتال ولا ينتفع به في رأي ولا مدافعة فهذا مذهب جمهور الفقهاء إلا أنه لا يقتل وبه قال مالك وأبو حنيفة وللشافعي قولان:

أحدهما مثل قول الجماعة والثاني يقتل هو والراهب والدليل على ما يقوله قول أبي بكر - رضي الله عنه - هذا ليزيد بن أبي سفيان ولا مخالف له فثبت أنه إجماع ومن جهة القياس أن هذا ممن لا يقاتل ولا يعين العدو بمنع دائم فلا يجوز قتله كالمرأة.

(مسألة) :

إذا ثبت ذلك فإن المشركين على ضربين:

أحدهما من لا يخاف منه مضرة ولا معونة برأي ولا مال كالراهب والشيخ الفاني فهذا قد تقدم حكمه والضرب الثاني أن يكون ممن تخشى مضرته فيكون فيه المعونة بالحرب أو الرأي أو المال فهذا إذا أسر يكون الإمام مخيرا فيه بين خمسة أشياء: أن يقتله أو يفادي به أو يمن عليه أو يسترقه أو يعقد له الذمة على أداء الجزية فأما الاسترقاق وعقد الذمة فلا خلاف نعلمه في جوازهما وأما القتل فحكى القاضي أبو الحسن أنه لا خلاف في جوازه وحكى القاضي أبو محمد عن الحسن المنع من ذلك وأنه قال: أصنع كما صنع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بأسارى بدر يمن عليه أو يفاديه والدليل على جواز ذلك قوله تعالى ﴿ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض﴾ [الأنفال: 67] ودليلنا من جهة السنة تواتر الأخبار عن النبي - صلى الله عليه وسلم - بقتل عقبة بن أبي معيط والنضر بن الحارث من أسارى بدر ومن جهة المعنى أنه ليس في الأسر حقن للدم وإنما يحقن الدم بعقد الأمان.

(مسألة)

وأما المن أو المفاداة فإنه جائز عند جمهور الفقهاء وبه قال مالك والشافعي وقال أبو حنيفة: لا يجوز المن ولا المفاداة وحكي هذا القول عن أصحاب الشافعي غير أنهم قالوا لا يفادى بمال وهذا القول في المفاداة إنما هو لسحنون والدليل على صحة جواز المن والمفاداة قوله تعالى ﴿فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب حتى إذا أثخنتموهم فشدوا الوثاق فإما منا بعد وإما فداء حتى تضع الحرب أوزارها﴾ [محمد: 4] ودليلنا من جهة السنة ما تظافرت الأخبار به من مفادة أهل بدر ودليلنا من جهة القياس أن هذا قتل يجوز تركه إلى غير بدل فجاز تركه إلى بدل كالقصاص.

(مسألة) :

إذا ثبت ذلك فإن الإمام يجب أن ينظر في ذلك بحسب الاجتهاد فمن علمت شجاعته وإقدامه أو رأيه وتدبيره فالأولى قتله، ومن لم يكن بهذه الصفة وكان صانعا أو عسيفا فالأفضل استبقاؤه، ومن رجي إسلامه والانتفاع به فالأولى أن يمن عليه، ومن كان غناؤه عنهم قليلا وأخذ عنه عوض نافع من مال أو أسير من أسرى المسلمين فودي.

(فصل) :

وقوله - رضي الله عنه - ولا تقطعن شجرا مثمرا ولا تخربن عامرا هذا على ضربين: أما ما كان من البلاد مما يرجى أن يظهر عليه المسلمون فإنه لا يقطع شجره المثمر ولا يخرب عامره

المنتقى شرح موطأ · الجزء ٣ · الصفحة ١٦٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

المنتقى شرح موطأج ٣ · ص ١٦٩