للوجوه التي ذكرناها أو لغير ذلك من وجوه المصالح التي علمها النبي - صلى الله عليه وسلم - وليس هذا من تأخير البيان الذي تكلم شيوخنا في جواز تأخيره عن وقت الخطاب بالعبادة إلى وقت الحاجة فمنع ذلك أبو بكر الأبهري وغيره من شيوخنا وجوزه القاضي أبو بكر وجمهور أصحابنا.
ووقت الخطاب بالصلاة وبيان أحكامها وأوقاتها قد تقدم قبل سؤال هذا السائل لأنه لم يسأل إلا عن عبادة ثابتة ولم يختلف أحد من المسلمين في أن النبي - صلى الله عليه وسلم - له أن يؤخر جواب السائل له عن وقت السؤال ولا يجيبه أصلا وقد فعل ذلك في مسائل كثيرة وأنكر على السائل مسألة اللعان ولم يختلفوا أنه لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة إلى الفعل وقد تكلم قوم من شيوخنا في وجه تأخير جواب السائل وما في ذلك من التغرير بفوات العلم لجواز أن يموت السائل قبل وقت التعليم الذي أخر إليه الجواب فقالوا يجوز أن يكون الوحي قد نزل عليه - صلى الله عليه وسلم - بأن ذلك لا يكون وهذا الوجه إن كان سائغا فلا يحتاج إليه مع ما فيه من التعسف لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان حكمه في إجراء الأمور على ظواهرها وجعلها على عادتها حكم أمته ولذلك كان يرسل أمراءه على الجيوش ورسله إلى البلدان مع تجويزه عليهم الموت إلا أنه كان يحمل ذلك على العادة واستصحاب السلامة ولا خلاف أن سائلا لو سأل عالما عن حكم مسألة لجاز له تأخير الجواب عنها ما لم يخف فواتها لا سيما إذا كان في تأخير الجواب تقريب على السائل وزيادة في البيان له وإن كان لا طريق له إلى المعرفة ببقائه إلى وقت جوابه وأيضا فإن الظاهر من هذا الحديث أنه سأله بعد صلاة الصبح من يوم سؤاله لأنه بدأ بتعليمه من صلاة الصبح من الغد فلم يتخلل بين وقت السؤال ووقت التعليم وقت صلاة يخاف عليه فيها الجهل بالوقت وعلى قولنا أنه سأل عن تحديد الوقت فالأمر أسهل ووجه جواز التأخير أبين ولو مات السائل قبل وقت التعليم لكان قد أثيب على بحثه وسؤاله عن العلم ولم يدخل عليه تفريط بتأخيره.
(فصل) :
وقوله «حتى إذا كان من الغد صلى الصبح حين طلع الفجر» تحقيق هذا اللفظ على أصل موضوعه في كلام العرب يقتضي أن طلوع الفجر هو كان وقت فعل الصلاة وذلك غير جائز ولا بد أن يتقدم طلوع الفجر ابتداء الصلاة إلا أن هذا اللفظ قد يستعمل في كلام العرب بمعنى المبالغة تقول جلست حين جلس زيد فيقتضي ذلك أن جلوسهما كان في وقت واحد غير أن ابتداء جلوس زيد تقدم فعلى هذا يصح قوله صلى حين طلع الفجر والفجر هو البياض الذي ينفجر من المشرق يشبه بانفجار الماء وهما فجران الأول منهما كذنب سرحان والسرحان الذئب ولا يتعلق به حكم صلاة ولا صوم ويسمى الفجر الكاذب والثاني هو الفجر الصادق وبه يتعلق تحريم الأكل على الصائم ووجوب الصلاة على المصلي وروى ابن ثوبان عن النبي - صلى الله عليه وسلم - نحو هذا المعنى وهو وإن كان لا يعتمد على ما روي بمثل إسناده إلا أنه معمول به متفق على صحة معناه.
(فصل) :
وقوله «ثم صلى من الغد بعد أن أسفر» يريد بذلك بعد بدء الإسفار ثم وقعت الصلاة في بقية الإسفار ولو كانت الصلاة بعد جميع الإسفار لكانت عند طلوع الشمس وليس ذلك من وقتها وإنما قصد المحدث بذلك إلى الإخبار بتقديم الصلاة في أول ما يمكن فعلها فيه من الوقت وتأخيرها إلى آخر ما يمكن فعلها فيه من الوقت فأتى في ذلك بألفاظ المبالغة فيما قصد به وفي هذا بيان أن ليس لصلاة الصبح وقت ضرورة وأن وقت الاختيار لها متصل بطلوع الشمس ولمالك - رحمه الله - مسائل تدل على أن قوله اختلف في ذلك فقال مرة ليس لها وقت ضرورة على مقتضى الحديث.
وقال مرة