(فصل) :
وأما تناول النية للعبادات والأفعال فإن نوى بالطهارة استباحة جميع ما يمنعه حدثها أجزأ ذلك وهو أعم وجوهها فإن نوى استباحة فعل بعينه فإن الأفعال على ثلاثة أضرب:
أحدها: ما تكون الطهارة شرطا في صحته.
والثاني: ما شرعت فيه الطهارة على وجه الاستحباب.
والثالث: ما لم تشرع فيه طهارة بوجه.
فإن نوى استباحة فعل شرعت الطهارة في صحته فلا خلاف على المذهب أنه يجزي ويستباح بها ذلك الفعل مثل أن ينوي الجنب الصلاة أو مس المصحف وقراءة القرآن قال القاضي أبو الوليد - رضي الله عنه - وعندي أنه يجرى مجرى ذلك أن ينوي الجنب دخول المسجد أو ينوي المحدث صلاة نافلة.
(فرع)
وهل له أن يستبيح به سائر موانع ذلك الحدث المشهور من المذهب أن من نوى صلاة بعينها أو مس مصحف وما أشبه ذلك فإنه يستبيح به كل ما يمنع منه ذلك الحدث.
وقال القاضي أبو الحسن فيمن نوى بطهارته استباحة صلاة بعينها دون غيرها إنه يتخرج على روايتين عن مالك في رفع نية الطهارة فإن قلنا إن الطهارة لا ترفع جاز له أن يصلي ما نوى وغيرها وإن قلنا إنها ترفع لم يجز له أن يصلي غيرها لأنه قد نوى رفض طهارته بعدها فليس له أن يصلي شيئا بعدها وفرق القاضي بين أن ينوي استباحة صلاة بعينها وبين أن ينوي استباحة صلاة بعينها دون غيرها.
(مسألة) :
وأما الضرب الثاني فهو أن ينوي بطهارته فعلا شرعت فيه استحبابا مثل أن يتوضأ المحدث لدخول المسجد أو لقراءة القرآن أو النوم فقد حكى أبو الفرج فيمن توضأ لقراءة القرآن له أن يصلي بوضوئه ذلك ومثل ذلك في المختصر فيمن توضأ ليكون على طهر.
وحكى ابن حبيب أنه لم يختلف أصحابنا في صحة الصلاة بالوضوء للنوم ومثل هذا يلزم في الوضوء لدخول المسجد أو السعي أو الغسل للجمعة ودخول مكة والوقوف بعرفة وألحق ابن حبيب بذلك من توضأ ليدخل على الأمير ورواه في المجموعة ابن نافع عن مالك وقال القاضي أبو محمد لا يجوز شيء من ذلك.
(مسألة) :
وأما الضرب الثالث وهو أن ينوي بوضوئه استباحة ما لم تشرع فيه الطهارة أصلا فإنه لا يستبيح بتلك الطهارة صلاة ولا خلاف في ذلك نعلمه ومن توضأ ليعلم الوضوء أو ليتعلمه قال ابن حبيب لا يصلي به وفي النوادر من قول أصحابنا مكرها لم يجزه.
(مسألة) :
إذا ثبت ذلك فيلزم الجنب معنيان:
أحدهما: أن ينوي بطهارته الجنابة أو ما يغسل منه جميع الجسد وجوبا أو استحبابا.
والثاني: أن ينوي استباحة جميع موانعها وبعضها.
وأما الوضوء فيحتاج إلى نية الطهارة من معنى تجب منه أو شرعت فيه استحبابا وليس عليه تعيين الحدث ونية استباحة الموانع وبعضها فإن اغتسل ولم يعين حدثا فالظاهر من المذهب أنه لا يجزيه.
وقال الشيخ أبو إسحاق من اغتسل ينوي التطهير ولا ينوي الجنابة قال مالك مرة لا يجزيه.
وقال مرة يجزيه وعلى ذلك أكثر أصحابنا ويلزم في التيمم تعيين الفعل الذي يستباح به وحكى ابن حبيب أن ذلك على الوجوب ويتخرج على قول مالك وابن القاسم أن ذلك على الاستحباب والله أعلم.
باب في محل النية من الطهارة
ومحل النية من الطهارة على ما يقتضيه قول القاضي أبي محمد في أولها عند التلبس بها وقد رأيت ذلك لغيره من أصحابنا وظاهر قول القاضي أبي محمد يدل على أن محلها عند ابتدائه بفرض الطهارة وبه قال الشافعي وروى عيسى عن ابن القاسم فيمن توجه إلى البحر أو الحمام ينوي غسل الجنابة فلما أخذ في الطهر نسي الجنابة أنه يجزيه.
وقال سحنون يجزيه في البحر ولا يجزيه في الحمام قال ابن القاسم ومنزلة ذلك منزلة من يوضع له الماء وهو يقصد الاغتسال من الجنابة فنسي حتى فرغ فإن ذلك