تلك المسائل والمعاني التي يجمعها وينصها ما يخف ويقرب ليكون ذلك حظ من ابتدأ بالنظر في هذه الطريقة من كتاب الاستيفاء إن أراد الاقتصار عليه وعونا له إن طمحت همته إليه فأجبتك إلى ذلك وانتقيته من الكتاب المذكور على حسب ما رغبته وشرطته وأعرضت فيه عن ذكر الأسانيد واستيعاب المسائل والدلالة وما احتج به المخالف وسلكت فيه السبيل الذي سلكت في كتاب الاستيفاء من إيراد الحديث والمسألة من الأصل ثم أتبعت ذلك ما يليق به من الفرع وأثبته شيوخنا المتقدمون - رضي الله عنهم - من المسائل وسد من الوجوه والدلائل وبالله التوفيق وبه أستعين وعليه أتوكل وهو حسبي ونعم الوكيل.
وقد قدمت في الكتاب المذكور ما لا أخلي هذا الكتاب من حرف من ذكره وذلك أن فتوى المفتي في المسائل وكلامه عليها وشرحه لها إنما هو بحسب ما يوفقه الله تعالى إليه ويعينه عليه وقد يرى الصواب في قول من الأقوال في وقت ويراه خطأ في وقت آخر ولذلك يختلف قول العالم الواحد في المسألة الواحدة فلا يعتقد الناظر في كتابي أن ما أوردته من الشرح والتأويل والقياس والتنظير طريقه القطع عندي حتى أعيب من خالفها وأذم من رأى غيره.
وإنما هو مبلغ اجتهادي وما أدى إليه نظري وأما فائدة إثباتي له فتبيين منهج النظر والاستدلال والإرشاد إلى طريق الاختبار والاعتبار فمن كان من أهل هذا الشأن فله أن ينظر في ذلك ويعمل بحسب ما يؤدي إليه اجتهاده من وفاق ما قلته أو خلافه ومن لم يكن نال هذه الدرجة فليجعل ما ضمنته كتابي هذا سلما إليها وعونا عليها والله ولي التوفيق والهادي إلى سبيل الرشاد وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وقوت الصلاة
جمع وقت كضرب وضروب وفلس وفلوس ووجه ووجوه فوقت الصلاة يتسع لتكرار فعلها مرارا وجميعه وقت لجواز فعلها واختلف الناس في وقت الوجوب منه فذهب أكثر شيوخنا من المالكيين إلى أن جميعه وقت للوجوب وذهب أصحاب أبي حنيفة إلى أن آخره وقت للوجوب وذهب أصحاب الشافعي إلى أن أوله وقت الوجوب وإنما ضرب آخره فصلا بين الأداء والقضاء وذهب بعض العلماء إلى أن وقت الوجوب منه وقت غير معين فإن للمكلف تعيينه بفعل الصلاة فيه قال القاضي أبو الوليد - رضي الله عنه - وهذا أظهر عندي وأجرى على أصول المالكية لأن معظمهم قالوا إن الأفعال المخير بينها كالعتق والإطعام والكسوة في الكفارة الواجب منها واحد غير معين، وللمكلف تعيين وجوبه بفعله ولم يخالف في ذلك أحد من أصحابنا غير محمد بن خويز منداد فإنه قال: إن جميعها واجب فإذا فعل المكلف أحدها سقط وجوب سائرها وما قدمناه هو الصحيح إن شاء الله لأن الأفعال الواجب جميعها لا يسقط وجوب بعضها بفعل غيرها.
(مسألة) :
إذا ثبت ذلك فقد اختلف الناس في جواز تأخير الصلاة عن أول الوقت فذهب القاضي أبو محمد عبد الوهاب بن نصر إلى أنه لا يجوز ذلك إلا لبدل وهو العزم على فعلها وحكي عن غيره أنه يجوز تركه إلى غير بدل إلى أن يبقى من وقتها ما يفعل فيه وقال قوم من أصحابنا إن العزم واجب ولا أسميه بدلا وهذا أظهر لأنه لا يجوز للمكلف ترك العزم على فعلها متى تذكرها في وقت ولا غيره.
(مسألة) :
وأما الصلاة فاختلف الناس في معنى تسميتها بذلك فقال أبو إسحاق والزجاجي وابن قتيبة وابن الأنباري إن الصلاة في كلام العرب الدعاء وإلى ذلك ذهب أكثر أصحابنا وأصحاب أبي حنيفة والشافعي ومن