(فصل) :
وقوله وكان أبو بكر لا يلتفت في صلاته يريد أنه كان مقبلا عليها مشتغلا بها لا يلتفت عن يمينه ولا عن شماله وهذا يدل على أن من سنة الصلاة أن يكون بصره في قبلته ولا يلتفت يمينا ولا شمالا لأن أبا بكر فعل ذلك وداوم عليه حتى وصف به وعرف من حاله.
وقد روي عن عائشة - رضي الله عنها - أنها قالت سألت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن «التفات الرجل في الصلاة فقال هو اختلاس يختلسه الشيطان من صلاة أحدكم وإنما يلزم أن يكون بصره في قبلته حيث وجهه» .
وقال ابن القاسم بلغني أنه يضع بصره أمام قبلته وأنكر مالك أن ينكس رأسه ولا يتكلف رفع رأسه ولا خفضه ولكن حالته التي يكون عليها إذا استرسل وترك الاشتغال.
(فصل) :
وقوله فلما أكثر الناس من التصفيق يريد صفق منهم العدد الكثير ولم يرد أنه أكثر كل واحد منهم التصفيق فالتفت أبو بكر لينظر ما أوجب كثرة تصفيقهم وهذا يدل على أن الالتفات في الصلاة لا يبطلها لأنه فعل ذلك بحضرة النبي - صلى الله عليه وسلم - فلم ينكره عليه ولا خلاف في ذلك وفي المدونة من التفت في صلاته لم يقطعها قال ابن القاسم وكذلك من التفت بجميع جسده ومعنى ذلك أنه وإن تعلق به حكم المنع والكراهية لمن فعل ذلك لغير سبب فإنه لا يقطع الصلاة، وأما النظر يمينا وشمالا فليس ذلك بممنوع لما روي عن ابن عباس «كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يلحظ يمينا وشمالا ولا يلوي عنقه» .
(فصل) :
وقوله فرأى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فعلم أن التصفيق كان من أجله ولعله أشار إلى أن يتأخر إلى الصف أو أخذ في ذلك فأشار إليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن امكث مكانك وفي ذلك دليل أن الإشارة في الصلاة للعذر والحاجة إلى ذلك لا تبطلها ولا تنقصها «لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - فعل ذلك» ومنه رد السلام بالإشارة باليد والرأس لأنهما مما جرت العادة بالإشارة بهما قال ابن الماجشون ولا بأس بالمصافحة في الصلاة والإشارة برد السلام في المكتوبة وغيرها وروى عبد الملك بن الحسن عن ابن وهب ولا بأس أن يشير في الصلاة بنعم أو لا قال ابن الماجشون وأما أن يشير إليه في المشي ويعطيه إياه فلا أحب ذلك لأنه يخطئ موضعه فترد عليه الإشارة حتى يفهم وذلك شغل عن الصلاة.
(فصل) :
وأما إشارة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى أبي بكر أن يمكث فكأنه يحتمل معنيين:
أحدهما: أن يثبت مكانه إماما.
والثاني: أن يثبت مكانه مأموما بين يدي النبي - صلى الله عليه وسلم -.
والأول أظهر وقد روي مفسرا من حديث قتيبة يا أبا بكر ما منعك أن تصلي بالناس حين أشرت إليك، ورفع أبي بكر يديه في الصلاة للدعاء دليل على جواز ذلك في الصلاة.
وقد روي عن مالك جواز رفع اليدين في موضع الدعاء.
(فصل) :
وقوله فحمد الله أبو بكر على ما أمره به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من ذلك يحتمل أن يكون حمده على أن لم يكن أخطأ في تقدمه بالناس في موضع لا يأمن فيه ورود النبي - صلى الله عليه وسلم - ويحتمل أن يكون حمد الله تعالى على ما فضله به وأهله له النبي - صلى الله عليه وسلم - من تقدمه بين يديه وصلاته به.
وقد روى موسى بن معاوية عن ابن القاسم فيمن أخبر في الصلاة بما يسره فحمد الله تعالى أو بمصيبة فاسترجع أو خبر بشيء فقال الحمد لله على كل حال أو الذي بنعمته تتم الصالحات لا يعجبني وصلاته مجزئة قال أشهب إلا أن يريد بذلك قطع الصلاة.
(فصل) :
وقوله فاستأخر أبو بكر حتى استوى في الصف دخولا في جملة الصحابة المؤتمين وخروجا