تعجيل فطره بعد أداء صلاته.
(فصل) :
وقوله في الخبر: والعشاء إذا غاب الشفق إلى ثلث الليل يقتضي أربع مسائل.
(إحداها) أن اسمها في الشرع العشاء وسيرد بيان ذلك.
(الثانية) بيان معنى الشفق والذي حكاه أصحابنا عن مالك وقاله في موطئه أن الشفق الحمرة تكون في المغرب من بقايا شعاع الشمس وبه قال الشافعي وحكى الداودي أن ابن القاسم قال عن مالك في السماع إن البياض عندي أبين قال وكأنه في هذا القول يريد الاحتياط وهو مذهب أبي حنيفة واستدل أصحابنا على صحة ما ذهب إليه مالك - رحمه الله - من أن الشفق الذي حد به أول وقت صلاة العشاء هو الحمرة بما رواه أبو داود أخبرنا مسدد أخبرنا أبو عوانة عن أبي بشر عن بشير بن أبي ثابت عن حبيب بن سالم عن «النعمان بن بشير قال أنا أعلم الناس بوقت هذه الصلاة صلاة العشاء الآخرة كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصليها لسقوط القمر لثالثة» .
وقد ذكر أبو عبد الرحمن هذا الحديث وضعفه قيل له حبيب هو مضطرب فقال إن شعبة يضعف هذا الحديث قيل له لعله من قبل أبي بشر أو حبيب فقال أبو بشر لا علة فيه وقد أدخل بين حبيب والنعمان رجلا ليس بالمشهور قال أصحابنا في احتجاجهم فإذا ثبت ذلك فوجه الاستدلال من الخبر أنه قال «إن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يصلي العشاء لسقوط القمر لثالثة» وذلك يكون عند مغيب الحمرة وأما الحمرة فإنها تبقى بعد ذلك بزمان طويل.
وقد أخرج أبو عبد الرحمن هذا الحديث في مصنفه جعله موافقا لقول من يقول إن شفق الصلاة هو البياض لأن سقوط القمر لثالثة من الشهر إلا عند مغيب البياض ودليلنا من جهة المعنى أنه إذا كانت الحمرة تسمى شفقا والبياض يسمى شفقا وعلى حكم من الأحكام على مغيب الشفق على الإطلاق تعلق ذلك بأولها لأنه قد غاب ما يسمى شفقا ودليلنا من جهة القياس أن هذه ثلاثة أنوار متتابعة مارة بالأفق فوجب أن تتعلق أحكام الصلاة بأوسطها كالطوالع.
(الثالثة) أن خروج وقت العشاء انقضاء الثلث الأول من الليل وبه قال الشافعي وقال ابن حبيب انقضاء النصف الأول من الليل وبه قال أبو حنيفة والدليل على القول الأول ما روي عن عائشة أنها قالت «أعتم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالعشاء حتى ناداه عمر الصلاة نام النساء والصبيان فخرج فقال ما ينتظرها من أهل الأرض غيركم قال ولا يصلى يومئذ إلا بالمدينة وكانوا يصلون فيما بين أن يغيب الشفق إلى ثلث الليل الأول» .
(الرابعة) أن الإتيان بصلاة العشاء في أول وقتها عند مغيب الشفق وبعد ذلك قليلا أفضل هو الذي رواه ابن القاسم عن مالك وكره تأخيرها إلى ثلث الليل وبه قال الشافعي وروى العراقيون من أصحابنا عن مالك أن تأخيرها أفضل وبه قال أبو حنيفة وجه القول الأول على ما ذكرناه قبل هذا من الأدلة على أن الصلاة في أول الوقت أفضل فيغني عن إعادته.
ووجه القول الثاني حديث أم كلثوم بنت أبي بكر عن عائشة «أعتم النبي - صلى الله عليه وسلم - حتى ذهب عامة الليل وحتى نام أهل المسجد خرج فصلى فقال إنه لوقتها لولا أن أشق على أمتي» وهذا ليس ببين لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قد رأى الفضل في التخفيف.
وقد قال ابن حبيب إنه يستحب تأخيرها في الشتاء شيئا وهذا لطول الليل وهذا وجه حسن لأنه ليس في ذلك مشقة على الأمة ويستحب تأخيرها في رمضان أكثر من ذلك شيئا توسعة على الناس في إفطارهم وهذا أيضا وجه صحيح لما فيه من الرفق بالناس.
(فصل) :
وقوله فمن نام فلا نامت عينه يريد من نام قبل صلاة العشاء لأن النوم قبلها ممنوع منه لما روى أبو هريرة «أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يكره النوم قبل العشاء