يده اليمنى قد عدمت بقطع عامل اليمن لها في سرقة أو غيرها؛ لأن الشرع قرر أنه إنما تقطع في السرقة اليمنى لمن كانت يداه سالمتين فمن كانت يمناه ناقصة الأصابع أو أصبعين لم تقطع قاله في الموازية ابن القاسم وأشهب قال القاضي أبو محمد: لأن بقاء أكثر الأصابع يبقى معه أكثر المنافع، وبقاء الأكثر كبقاء الجميع وذهاب أكثرها يذهب معه أكثر المنافع فكان كذهاب الجميع.
(مسألة) :
وإن كانت يده اليمنى شلاء ففي الموازية إن كان الشال يمينا لا يقتص منها، ولو أخطأ الذي قطعه فقطع يده اليسرى أولا فقد قال مالك يجزئ ذلك، فإن سرق ثانية فقد قال ابن القاسم في المزنية تقطع رجله اليمنى، وروى يحيى بن يحيى عن ابن نافع تقطع رجله اليسرى، واحتج عيسى بقول ابن القاسم أنه لما أجزأه قطع اليسرى أول مرة كان ذلك بمنزلة أن يكون القطع تعلق بها أولا، وشرعت المخالفة في المرة الثانية فلزم أن تقطع رجله اليمنى، واحتج ابن نافع بقوله بأن قطع اليسرى أولا إنما كان على وجه الخطأ فلا ينبغي أن يتعمد مواقعة الخطأ في القطع الثاني والله أعلم.
(مسألة)
وإذا عدمت اليد اليمنى فإن عدمت بقطعها في سرقة فإن القطع ينتقل في سرقة ثانية لرجله اليسرى، ثم في سرقة ثالثة بيده اليسرى، ثم في رابعة برجله اليمنى فإن سرق بعد ذلك عوقب، ولا يقتل هذا المشهور عن مالك وأصحابه إلا أبو مصعب قال فإنه يقتل، ووجه قول مالك قول الله تعالى ﴿والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما جزاء بما كسبا نكالا من الله﴾ [المائدة: 38] فجعل العقوبة على السرقة مختصة بقطع اليد فلا ينتقل عنه إلا بدليل، ووجه قول أبي مصعب أن هذه سرقة فتعلق بها قطع عضو كالأولى، قال القاضي أبو محمد ولا خلاف أنه أول ما يقطع يمنى يديه ثم يسرى رجليه، وإنما الخلاف في الثالثة فعندنا وعند الشافعي أن الحكم في الثالثة والرابعة على ما تقدم وعند أبي حنيفة لا يقطع بعد الثانية ولكن يحبس ويعاقب، والدليل على ما نقوله أنها يد تقطع في القصاص فجاز أن تقطع في السرقة كاليمنى.
(مسألة) :
وإن عدمت يده اليسرى بشلل أو كان خلق بغير يمنى فقد روى ابن وهب عن مالك ينقل القطع إلى رجله اليسرى، وبه قال ابن القاسم، ثم قال مالك امحها ثم قال تقطع يده اليسرى وبه قال ابن القاسم وأشهب وأصبغ، وجه القول الأول أن هذا سرق ولا يمنى له، فوجب أن تقطع رجله اليسرى كما لو قطعت يده اليمنى في سرقة، ووجه القول الثاني أن هذا قطع تعلق بالسارق أول مرة فوجب أن يتعلق بيده كما لو كانت له يمين.
(فرع)
ولما قطعت يمناه في قصاص فقد قال ابن القاسم إن كانت شلاء قطعت يده اليسرى، وإن قطعت في قصاص قطعت في السرقة رجله اليسرى.
وقال أصبغ تقطع يده اليسرى في الوجهين فيحتمل أن يكون أبو بكر - رضي الله عنه - إنما قطع يده اليسرى لما لم يثبت عنده أنه قطعت يده اليمنى في سرقة فرأى في ذلك رأي من قال من أصحابنا أنها إذا قطعت في غير سرقة تعلق قطع السرقة بيسراه.
(مسألة) :
ولو اتبع صاحب السرقة السارق فضرب يده بسيف فقطعها ففي الموازية ليس عليه إن أخذ غير ذلك يريد أنه ليس من شرط القطع أن يأمر بذلك السلطان، وإن كان ذلك حكمه ومن تعدى عليه قبل ذلك بقطع يده عليه أجزأه عن القطع وعوقب القاطع.
(مسألة) :
ولو قطع السارق يمين رجل قبل أن يسرق أو بعد ذلك فإن يمينه تقطع للسرقة ولا قصاص للمجني عليه ولا دية قاله ابن المواز ومعنى ذلك أنه محل لحقين لا محل لهما مع كونه على هذه الصورة غيره فلم يتعلق أحد منهما بغيره، ولو قطعت يده للسرقة ثم قطع يمنى رجل لكانت عليه الدية؛ لأنه يوم قطع يمين الرجل لم تكن له يمين بخلاف المسألة الأولى.
(مسألة) :
ولا يقطع السارق في شدة البرد مما يكون القطع فيه حتفا، ويقطع في شدة الحر وليس بمتلف، وإن كان فيه بعض الخوف رواه في الموازية أشهب عن مالك