فوجه الرواية الأولى أن حرمتها ضعيفة لضعف حرمة سيدها؛ لأنه يعتق بالأداء ويرق بالعجز فلذلك لم يثبت لها حرمة الاستيلاد وجاز له بيعها، ووجه الرواية الثانية أنه قد ثبت لسيدها حرمة العتق بالكتابة.
قال القاضي أبو الوليد - رحمه الله - وجه الرواية الأولى عندي أن ملك سيدها لم يكمل فلم تحصل أم ولد باستيلادها في تلك الحال كالأمة للعبد القن، ووجه الرواية الثانية أن سيد المكاتب ممنوع من ماله لعقد عتقه فيثبت لأم ولده حرمة الاستيلاد كالعتق المبتل.
(مسألة) :
وأما أم الولد المدبر فقد تقدم اختلاف أصحاب مالك فيها.
وقال القاضي أبو محمد فيها عن مالك روايتان إحداهما ثبوت الحرمة لها والثانية نفيها عنها، ووجه ثبوتها أنه بيع لابنه في عقد العتق الذي يثبت له فوجب أن لا يثبت لأمه به الحرمة كولد المكاتب، ووجه الرواية الثانية أن أباه لم يثبت له من العتق ما يمنع به سيده من ماله فلم يثبت لأمه به حرمة الاستيلاد كذلك العبد القن.
(فرع)
قال القاضي أبو محمد فإذا قلنا تثبت لها حرمة الاستيلاد لم يكن لسيده انتزاعها منه حاملا كانت، أو غير حامل فإذا نفينا عنها حرمة الاستيلاد فإن للسيد انتزاعها قولا واحدا؛ لأن الولد داخل في تدبير أبيه ومثل هذا يتوجه من الخلاف في أم ولد المعتق إلى أجل؛ لأن محمدا قال إن قول مالك قد اختلف في انتزاع أم ولده منه.
(مسألة) :
إذا ثبت ذلك فإنما تكون أم ولد بما تلده لأكثر من ستة أشهر من يوم عقد التدبير، أو الكتابة، أو العتق المؤجل فإن ولدته لأقل من ذلك لم تكن به أم ولد قاله ابن المواز.
وقال في موضع آخر إلا أن يملك المكاتب ما في بطن أمته الحامل في الكتابة فإنها تكون به أم ولد.
وقال أشهب وعبد الملك إنما تكون أم ولد بما تلده لستة أشهر من يوم عتق أمه ولا تكون أم ولد بما تلده لأقل من ذلك قالا؛ لأن الولد لم يملكه الأب وقد جرى منه فيه لغيره حرية فلا تكون به أم ولد بل تعتق على غير الأب.
(مسألة) :
وإنما تكون أم ولد إذا حملت بملك اليمين فإذا حملت بنكاح، أو ولدت بنكاح فلا تكون بذلك أم ولد، وقال أبو حنيفة إن اشتراها الزوج بعد أن ولدت فإنها تكون به أم ولد والدليل على ذلك أنه سبب عتق لم يحصل لها بالولادة فلم يحصل لها بالشراء كعقد الكتابة والتدبير.
(مسألة) :
وأما إذا حملت بنكاح وولدت في ملك اليمين كالرجل يتزوج الأمة فتحمل منه ثم يشتريها وهي حامل فلا يخلو أن تكون الأمة لأبيه أو لغيره فإن كانت لأبيه لم تكن به أم ولد؛ لأنه قد أعتق على جده ولم يملكه أبوه.
وقد قال محمد فيمن اشترى زوجته بعد أن أعتق السيد ما في بطنها أن شراءه جائز وتكون بما تضع أم ولد؛ لأنه إنما أعتق ابنه بالشراء ولم يصبه عتق السيد إذ لا يتم عتقه إلا بالوضع؛ لأنه يباع عليه في فلسه ويبيعه ورثته قبل الوضع إن شاءوا وإن لم يكن عليه دين والثلث يحملها، ولو ضربها رجل فألقت جنينها فإنما فيه ما في جنين أمة، ولو كان بعد أن اشتراها الزوج فإنما فيه جنين حرة.
(مسألة) :
فإن كانت لغير أبيه فإنها تكون أم ولد؛ لأنه قد ملك ابنه فعتق عليه فهذا قد حملت به أمه في النكاح ووضعته في ملك اليمين.
وقال الشافعي لا تكون به أم ولد والدليل على ما نقوله ما تقدم من أنها وضعته في ملك اليمين فكانت به أم ولد كما لو حملت به في ملك اليمين.
الباب الثالث في حكم ما بقي له من التصرف والمنفعة فيها وفي ولدها
وذلك أن السيد بقي له في أم ولده الاستمتاع وروى ابن المواز عن ابن القاسم ليس للرجل في أم ولده أن يعنتها في الخدمة، وإن كانت دنيئة، وتبتذل الدنيئة في الحوائج الخفيفة مما لا تبتذل فيه الرفيعة.
وقال القاضي أبو محمد: استخدامها فيما يقرب ولا يشق.
وقال أبو حنيفة والشافعي: له فيها الخدمة والاستمتاع قال القاضي أبو الوليد - رضي الله عنه -: وهو الأظهر عندي؛ لأنه المقصود من ملكها وهي باقية على حكم