وليست مما يتكرر كالديون التي لها قدر الأمانات من الودائع والوصايا تكون بيده من مال أيتام، أو غير ذلك فإنه يجب عليه ذلك، وأما ما يكون من يسير الديون التي تتكرر وتؤدى في كل يوم وتزيد وتنقص وتتجدد فإن ذلك يشق فيها؛ لأنه كان يقتضي أن يجدد وصيته في كل يوم ومع الساعات، وإنما معنى ذلك عندي في الأموال التي تبقى، وهذا عندي معنى قوله - صلى الله عليه وسلم - له شيء يوصى فيه أن حملناه على الوجوب فإن لفظ الحق أظهر في الوجوب وإن كان يحتمل الندب إذا قال: إنه حق عليه وإذا أضاف الحق إليه وجعله له فهذا أظهر في الندب فإن حملناه على الوجوب فالمراد به ما قدمناه من الحقوق التي تكون عليه مما لا يشق تنفيذها والوصية بها، وقد يكون معناه له شيء يوصى فيه ما يؤدى منه تلك الحقوق، وإذا حملناه على الندب فيحتمل أن يريد به الوصية بشيء من ماله في وجوه القرب، ويكون معنى قوله: " له شيء يوصى فيه " المال الواسع الذي يحتمل الوصية بالثلث أو أقل.
قال الله تعالى ﴿كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيرا الوصية للوالدين والأقربين﴾ [البقرة: 180] قال أهل التفسير الخير المال قال قتادة: الخير ألف دينار فما فوق، وقد روي عن علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - نحوه.
وروي عنه أنه قال لابن عمر حين قال له أراد أن يوصي وله ما بين السبعمائة إلى التسعمائة لا توص فإنك لم تترك خيرا فتوصي وفي الجملة أن الوصية لمن لا دين عليه ولا حق لأحد عنده ليست بواجبة، وإن كانت مندوبا إليها مع اليسار وعلى هذا جماعة الفقهاء ولا خلاف أن الصدقة التي ينفذها في حياته أفضل، والأصل في ذلك ما رواه أبو زرعة عن أبي هريرة قال «قال رجل للنبي - صلى الله عليه وسلم - أي الصدقة أفضل؟ قال: أن تتصدق وأنت صحيح حريص تأمل الغنى وتخشى الفقر ولا تمهل حتى إذا بلغت الحلقوم» قلت لفلان كذا ولفلان كذا، وقد كان لفلان، وأما غير الموسر فقد حكى ابن حبيب أن عليا - رضي الله عنه - قال لعليل ذكر الوصية له لا توص إنما قال الله سبحانه وتعالى ﴿إن ترك خيرا﴾ [البقرة: 180] وأنت لا تترك إلا اليسير دع مالك لبنيك وكان ماله من السبعمائة إلى التسعمائة.
وقيل لعائشة - رضي الله عنها - أيوصي من ترك أربعمائة وله عدة من الولد بنون؟ فقالت: ما في هذا فضل عن ولده والأصل في ذلك ما روي «عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال لسعد بن أبي وقاص إنك إن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تدعهم عالة يتكففون الناس» .
(فصل) :
وقوله «إلا ووصيته عنده مكتوبة» الوصية تتضمن موصيا وموصى له وموصى به ونحن نفرد لكل نوع من ذلك بابا نبين فيه حكمه إن شاء الله تعالى.
الباب الأول في الموصي
فأما الموصي فمن شرطه أن يكون عاقلا يريد والله أعلم قد أثبت فيها بالكتاب والإشهاد عليه ما يريد أن يوصي به من حق عليه، أو وجه بر يوصي فيه بشيء وفي المجموعة والعتبية من رواية ابن القاسم عن مالك كان من أدركت يكتبون التشهد قبل ذكر الوصية وما زال ذلك من شأن الناس بالمدينة وأنه ليعجبني وأراه حسنا، قال أشهب في المجموعة: كل ذلك لا بأس به تشهد، أو لم يتشهد، وقد تشهد ناس فقهاء صالحون وترك ذلك بعض الناس وهو قليل وفي المدونة لم يذكر مالك كيف التشهد وروى ابن عون في وصية محمد بن سيرين قال هذا ما أوصى به محمد بن أبي عمرة بنيه وأهله أن يتقوا الله ويصلحوا ذات بينهم ويطيعوا الله ورسوله إن كانوا مؤمنين أوصاهم بما أوصى به إبراهيم بنيه ويعقوب ﴿يا بني إن الله اصطفى لكم الدين فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون﴾ [البقرة: 132] وأن لا ترغبوا أن تكونوا إخوانا للأنصار ومواليهم فإن العفة والصدق خير وأبقى وأكرم من الرياء والكذب، ثم أوصى فيما ترك إن حدث به حادث الموت