تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

- صلى الله عليه وسلم - «من غير دينه فاقتلوه» يعني بعد الاستتابة فإن تاب ترك فحمل ذلك على المرتد المظهر لارتداده.

وذلك أن من انتقل إلى غير دين الإسلام لا يخلو أن يسر كفره أو يظهره، فإن أسره فهو زنديق قال ابن القاسم في العتبية من رواية عيسى: من أسر من الكفر دينا خلاف ما بعث الله به محمدا - صلى الله عليه وسلم - من يهودية أو نصرانية أو مجوسية أو منانية أو غيرها من صنوف الكفر أو عبادة شمس أو قمر أو نجوم ثم اطلع عليه فليقتل ولا تقبل توبته قال ابن المواز: ومن أظهر كفره من زندقة أو كفر برسول الله - صلى الله عليه وسلم - أو غير ذلك ثم تاب قبلت توبته.

وروى سحنون وابن المواز عن مالك وأصحابه يقتل الزنديق ولا يستتاب إذا ظهر عليه قال سحنون إن تاب لم تقبل توبته، وهذا أحد قولي أبي حنيفة وله قول آخر تقبل توبته وبه قال الشافعي والدليل على ما نقوله قوله تعالى ﴿فلما رأوا بأسنا قالوا آمنا بالله وحده وكفرنا بما كنا به مشركين﴾ [غافر: 84] ﴿فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا﴾ [غافر: 85] قال جماعة من أهل العلم: البأس هاهنا السيف ودليلنا من جهة السنة ما روي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال «من بدل دينه فاقتلوه» واحتج مالك لذلك بأن توبته لا تعرف.

وقال سحنون: لما كان الزنديق يقتل على ما أسر لم تقبل توبته؛ لأن ما يظهر لا يدل على ما يسر؛ لأنه كذلك كان فلا علامة لنا على توبته، والمرتد يقتل على ما أظهر فإذا أظهر توبته أبطل بها ما أظهر من الكفر.

قال: وأجمع العلماء على أن من جاهر بالفساد والسفه قبلت توبته وصار إلى العدالة ومن شهد بالعدالة وشهد بالزور لم تقبل شهادته، وإن أظهر الرجوع عما ثبت عليه.

(مسألة) :

وإذا أقر الزنديق بكفره قبل أن يظهر عليه فهل تقبل توبته أم لا قال أصبغ في العتبية عسى أن تقبل توبته وحكى القاضي أبو الحسن ذلك.

(مسألة) :

ومن تزندق من أهل الذمة ففي كتاب ابن حبيب عن مالك ومطرف وابن عبد الحكم وأصبغ لا يقتل؛ لأنه خرج من كفر إلى كفر.

وقال ابن الماجشون يقتل؛ لأنه دين لا يقر عليه أحد ولا يؤخذ عليه جزية قال ابن حبيب: لا أعلم من قاله غيره، ويحتمل أن يريد بالزندقة هاهنا الخروج إلى غير شريعة مثل التعطيل ومذاهب الدهرية ويحتمل أن يريد الاستسرار بما خرج إليه، والإظهار لما خرج عنه والأول أظهر.

(فرع)

وإذا أسلم اليهودي الذي تزندق فقد روى أبو زيد الأندلسي عن ابن الماجشون أنه يقتل كالمسلم يتزندق ثم يتوب.

(فصل) :

وقول مالك وأما من خرج من الإسلام إلى غيره فأظهر غير ذلك فإنه يستتاب فإن تاب، وإلا قتل وبه قال عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب وعثمان بن عفان وسيأتي ذكره بعد هذا إن شاء الله - تعالى - وروى سحنون عن عبد العزيز بن أبي سلمة أنه قال لا بد أن يقتل، وإن تاب والدليل على ما نقوله قول الله - تعالى - ﴿فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم وخذوهم واحصروهم واقعدوا لهم كل مرصد فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم إن الله غفور رحيم﴾ [التوبة: 5] وقوله تعالى ﴿وهو الذي يقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السيئات ويعلم ما تفعلون﴾ [الشورى: 25] ومن جهة المعنى أنها معصية لم يتعلق بها حد ولا حق لمخلوق كسائر المعاصي.

(مسألة) :

ولا عقوبة على المرتد إذا تاب رواه في العتبية وفي الموازية أشهب عن مالك والدليل على ذلك قوله تعالى ﴿قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف﴾ [الأنفال: 38] ومن جهة المعنى أن هذا منتقل من كفر إلى إيمان فلم يجب عليه عقوبة بما تقدم من الكفر كالنصراني يسلم.

(مسألة) :

ويستتاب ثلاثة أيام فإن تاب فيها، وإلا قتل وهو أحد قولي الشافعي وله قول ثان يستتاب في الحال فإن تاب، وإلا قتل وقد رواه القاضي أبو الحسن عن مالك.

وروي عن أبي حنيفة يستتاب ثلاث مرات في ثلاثة أيام أو ثلاث جمع ودليلنا من جهة المعنى أن كل

المنتقى شرح موطأ · الجزء ٥ · الصفحة ٢٨٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

المنتقى شرح موطأج ٥ · ص ٢٨٢