اليتيم، وقد نص على ذلك أصحابنا في مسألة القاضي، ووجه ذلك أن ما لا يجوز للإنسان في مال نفسه من الارتفاق فإنه لا يجوز له في مال يلي عليه كالسلف بزيادة.
(فرع)
فإن وقع السلف لما ذكرناه فسخ في الأجل والبلد وأجبر المتسلف على تعجيل المال وأجبر المسلف على قبضه وبطل الأجل به ذلك كله كالبيع بأجل على وجه فاسد فإنه يصح معجلا.
(فصل) :
إذا ثبت ذلك فإن فعل أبي موسى الأشعري هذا يحتمل وجهين:
أحدهما: أن يكون فعل هذا على ما ذكرناه لمجرد منفعة عبد الله وعبيد الله وجاز له ذلك، وإن لم يكن الإمام المفوض إليه؛ لأن المال كان بيده بمنزلة الوديعة لجماعة المسلمين فاستسلفه وأسلفهما إياه وسيأتي بيان أحكام الوديعة في الأقضية ولو تلف المال، ولم يكن عند عبد الله وعبيد الله وفاء لضمنه أبو موسى.
والوجه الثاني: أن يكون لأبي موسى النظر في المال بالتثمير والإصلاح فإذا أسلفه كان لعمر بن الخطاب الذي هو الإمام المفوض إليه تعقب فعله فتعقبه ورده إلى القراض.
(فصل) :
وقول عمر أكل الجيش أسلفه مثل ما أسلفكما قالا لا تعقب منه لأفعال أبي موسى ونظر في تصحيح أفعاله وتبيين لموضع المحظور منه؛ لأنه لا يخفى على عمر أن أبا موسى لم يسلف كل واحد من الجيش مثل ذلك، وإنما أراد أن يبين لابنيه موضع المحاباة في موضع فعل أبي موسى فلما قالا لا أقرا بالمحاباة فقال ابنا أمير المؤمنين فأسلفكما يريد أن تخصيصهما بالسلف دون غيرهما إنما كان لموضعهما من أمير المؤمنين، وهذا مما كان يتورع منه عمر أن يخص أحدا من أهل بيته أو ممن ينتمي إليه بمنفعة من مال الله لمكانه منه، وكان عمر - رضي الله عنه - يبالغ في التوقي من هذا، ولذلك قسم لعبد الله بن عمر أقل مما قسم لغيره من المهاجرين الأولين وكان يعطي حفصة ابنته مما يصلح إلى أزواج النبي - صلى الله عليه وسلم - آخر من يعطي، فإن كان نقصان ففي حصتها.
(فصل) :
وقول عمر أديا المال وربحه نقض لفعل أبي موسى وتغيير لسلفه برد ربح المال إلى المسلمين وإجرائه مجرى أصله قال عيسى بن دينار، وإنما كره تفضيل أبي موسى لولديه، ولم يكن يلزمهما ذلك وعلى هذا قولنا إن أبا موسى استسلف المال وأسلفهما إياه لمجرد منفعتهما وأن المال كان بيده على وجه الوديعة، وأما إذا قلنا إنه بيده لوجه التثمير والإصلاح فإن لعمر تعقب ذلك والتكلم فيه والنظر في ذلك لهما وللمسلمين بوجه الصواب، ولم يختلف أصحابنا في المبضع معه المال يبتاع به لنفسه ويتسلفه أن صاحب المال مخير بين أن يأخذ ما ابتاع به لنفسه أو يضمنه رأس المال؛ لأنه إنما دفع إليه المال على النيابة عنه في عرضه وابتياع ما أمره به وكان أحق بما ابتاعه به، وهذا إذا ظفر بالأمر قبل بيع ما ابتاعه، فإن فات ما ابتاعه به فإن ربحه لرب المال وخسارته على المبضع معه.
(فصل) :
وقوله فأما عبد الله فسكت يريد أنه أمسك عن المراجعة برا بأبيه وانقيادا له واتباعا لمراده، وأما عبيد الله فراجعه طلبا لحقه واحتج عليه بأن هذا مال قد ضمناه ولو دخله نقص لجبرناه، وقول عمر بعد ذلك أديا المال وربحه إعراض عن حجته؛ لأن المبضع معه يضمن البضاعة إذا اشترى بها لنفسه، وإن دخلها نقص جبره ومع ذلك فإن ربحها لرب المال.
(فصل) :
وقول الرجل من جلساء عمر يا أمير المؤمنين لو جعلته قراضا على وجه ما رآه من المصلحة في ذلك، وإن كان عمر لم يسأله إلا أنه قد جرى على عادته وما عرف من حال عمر واستشارته أهل العلم، وكذلك المفتي يجوز أن يبتدئ الحكم بالفتوى إذا علم من حاله استشارته وجرت بذلك عادته، والقراض الذي أشار به أحد نوعي الشركة يكون فيهما المال من أحد الشريكين، والعمل من الثاني