المعاوضة ولا يتصور فيها معنى العينة التي لها منع بيع الطعام قبل استيفائه.
(فصل) :
إذا ثبت أنه لا يجوز بيع الطعام قبل استيفائه فإنه لا يجوز أن يبيعه هو ولا وكيله ولا وارثه قاله مالك في المبسوط؛ لأن انتقاله بالميراث لا يجوز أن يكون حاجزا بين البيعتين ولا يقوم مقام القبض في إباحة البيع فيه وإن وهبه الرجل بعد أن ابتاعه قبل أن يستوفيه لم يجز للموهوب له أن يبيعه حتى يستوفيه رواه في المدونة عبد الرحمن بن دينار عن المغيرة، وعيسى بن دينار عن ابن القاسم وزاد مالك في النوادر وكذلك لو وهب له أو تصدق به عليه أو أخذه قضاء من سلف قال وأخفه عندي الهبة والصدقة وفي الموازية عن مالك من أحلته على طعام من بيع أقرضته إياه أو قضيته إياه من قرض فلا يبعه حتى يستوفيه.
(مسألة) :
إذا ثبت أن هذا الحكم يتعلق بما استفيد على وجه المعاوضة فإنه أيضا يجب أن يمنع من عقود المعاوضة قبل الاستيفاء، ولا يمنع ما ليس بمعاوضة من هبة ولا صدقة ولا قرض ولا غير ذلك من العقود التي تعرى عن العوض ولذلك لم تمنع من الإقالة والتولية والشركة وإن كانت فيها معاوضة.
الباب الثالث في تمييز ما يكون قبضا واستيفاء
، وأما ما يكون قبضا واستيفاء يصح أن يفصل بين البيعتين في الطعام فهو ما يخرج به من ضمان البائع إلى ضمان المشتري من الكيل والتوفية في المكيل، والموزون والتوفية في الموزون وفي التحري في الاتفاق على مقداره والحكم به وتوفيته إن كان فيه حق توفية وذلك بأن يوفيه البائع المبتاع وتسليم المبتاع إياه لازم قبل أن يبيعه وقد تقدم وصف التوفية قبل هذا فمثل هذا يكون فصلا بين البيعتين فإن عقدا عقدا من بيع في طعامين في ذمتين ثم أرادا أن يتقاضيا بهما لم يجز ذلك على المشهور من المذهب وبه قال ابن القاسم وقال أشهب في كتاب ابن المواز إن اتفق رأس مالهما في القدر والصفة جاز ذلك وجه القول الأول أنهما لما تقاضيا بالطعام آل أمرهما إلى طعام واحد فقد انعقد عليه عقدا بيع وكل واحد منهما انعقد بلفظ البيع وعلى معناه من المغابنة والمكايسة لم يفصل بينهما قبض وذلك ممنوع ووجه القول الثاني أن مآل أمرهما إلى الإقالة؛ لأن المسلم الثاني رد إلى الأول مثل رأس ماله وهذا معنى الإقالة، والعقود لا تعتبر فيها باللفظ وإنما تعتبر بالمعنى ولما كان معنى ما وجد منهما السلم والإقالة وذلك يجوز في الطعام قبل استيفائه جاز ذلك في مسألتنا.
(مسألة) :
وإن كان الطعامان من قرض جاز ذلك حل أجلهما أو لم يحل؛ لأن اتصال القرضين في الطعام ليس بممنوع وإن كان أحدهما من بيع والآخر من قرض فحل أجلاهما جازت المقاصة؛ لأن اتصال القرض بالبيع جائز في الطعام فإن لم يحل واحد منهما فالمشهور من المذهب أنه لا يجوز وبه قال ابن القاسم وقال ابن حبيب إن اتفق الأجلان جازت المقاصة وقاله أصحاب مالك إلا ابن القاسم وجه القول الأول أن المقاصة قبل الأجل مع الأجل في البيع يمنع المقاصة بما لا يجوز إلا عند حلول الأجل كالمقاصة بالدنانير والدراهم ووجه القول الثاني أنه إذا كان الأجلان واحدا كان ذلك بمنزلة حلولهما؛ لأن الذمتين تبرآن منهما دون زيادة من أحدهما.
(مسألة) :
فإن حل من الأجلين أجل القرض ولم يحل أجل السلم لم يجز ذلك أيضا لما قلنا وإن حل أجل السلم ولم يحل أجل القرض لم يجز عند ابن القاسم وجوزه أشهب وجه ما قاله ابن القاسم أن هذا مقاصة بما حل فيما لم يحل فوجب أن يكون بيعا كما لو لم يحل أجل السلم ووجه قول أشهب أن القرض لما لم يلزم أجله المقترض كان بمنزلة الحال والمشهور من قول أشهب أن المسلف لا يجبر على قبض القرض قبل الأجل وعن ابن القاسم أنه يجبر فكان