وبين حكم الربا.
(مسألة) :
وهذا في المطعوم المقتات المكيل أو الموزون وروى ابن القاسم عن مالك في المبسوط وكذلك المعدود لا يجوز ذلك فيه حتى يقبضه وقد قاله غيره من أصحابنا وهو المذهب إن شاء الله تعالى.
(فصل) :
وإن كان غير مطعوم فمذهب مالك أنه لا مدخل لهذا الحكم في غير المطعوم ولا تعلق له به سواء كان مكيلا أو موزونا أو غير مكيل ولا موزون وقال عبد العزيز بن أبي سلمة وربيعة ويحيى بن سعيد أن كل ما بيع على كيل أو وزن أو عدد مطعوما كان أو غير مطعوم فلا يجوز بيعه قبل قبضه واختاره ابن حبيب وقال أبو حنيفة هذا الحكم ثابت في كيل مبيع ينقل ويحول وقال الشافعي هو حكم ثابت في كل مبيع واستدل أصحابنا في ذلك بما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال «من ابتاع طعاما فلا يبعه حتى يستوفيه» .
فوجه ذلك أنه خص هذا الحكم بالطعام فدل ذلك على أن غير الطعام مخالف له وهذا استدلال بدليل الخطاب وقد تقدم الكلام فيه ودليلنا من جهة القياس أن هذا مبيع ليس بمطعوم فجاز بيعه قبل قبضه كالدنانير والدراهم.
الباب الثاني في تمييز ما يختص به من وجوه الاستفادة
العقود على ضربين معاوضة وغير معاوضة فأما المعاوضات فالبيع وما في معناه من الإجارة والمصالحة والمناكحة والمخالعة والمكاتبة على وجه العوض كأرزاق القضاة والمؤذنين وأصحاب السوق فإن هذا كله يؤخذ على وجه المعاوضة وقال أبو حنيفة ما ملك بمهر أو خلع من طعام أو غيره فإنه يجوز بيعه قبل قبضه وهذه العقود تنقسم على ثلاثة أقسام: قسم يختص بالمغابنة والمكايسة كالإجارة والبيع وما كان في حكمهما وقسم يصح أن يقع على وجه المغابنة ويصح أن يقع على وجه الرفق كالإقالة والشركة والتولية وقسم لا يكون إلا على وجه الرفق كالقرض فأما البيع وما كان في معناه مما يختص بالمغابنة.
قال القاضي أبو محمد ما كان أجرة لعمل أو قضاء لدين أو مهرا أو خلعا أو صلحا عن دم عمد أو مثلا لمتلف أو أرش جناية في مال مضمون أو معين فذلك كله يجري مجرى البيع فيما ذكرناه فلا خلاف في أنه لا يجوز أن يتوالى منه عقدان من جنس واحد أو من جنسين مختلفين على معين أو ثابت في الذمة لا يتخللهما قبض.
والأصل في ذلك الحديث المتقدم أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «نهى عن بيع الطعام قبل أن يستوفى» ومن جهة المعنى أن ذلك ممنوع حفظه وحراسته وتوقيه من الربا لئلا يتوصل أهل العينة بذلك إلى بيع دنانير بأكثر منها وذلك أن صاحب العينة يريد أن يدفع دنانير في أكثر منها نقدا أو إلى أجل فإذا علم بالمنع في ذلك توصل إليه بأن يذكر حنطة بدينار ثم يبتاعه بنصف دينار دون استيفاء ولا قصد لبيعه ولا لابتياعه فلما كثر هذا وكانت الأقوات مما يتعامل بها في كثير من البلاد ولا سيما في بلاد العرب وكان ذلك مما يقصد لهذا المعنى كثيرا لمعرفة جميع الناس لثمنه وقيمته ووجود أكثر الناس له منع ذلك فيها وشرط في صحة توالي البيع فيها لخلال القبض والاستيفاء؛ لأن ذلك نهاية التبايع فيها وإتمام العقد ولزومه ولم يشترط ذلك في سائر المبيعات؛ لأنه لم يتكرر تعامل أهل العينة بها؛ لأن ثمنها يخفى في الأغلب ويقل مشتريها.
(فرع)
ومن باع ثمر حائطه واستثنى منه كيلا يجوز استثناؤه ثم أراد بيعه فقد اختلف قول مالك فيه فكرهه ثم رجع إلى إجازته روى ذلك ابن المواز وجه الكراهية مبني على أن المستثنى مبيع ووجه الإباحة والجواز مبني على أن المستثنى غير مبيع.
(مسألة) :
وأما ما صح أن يقع من عقود المعاوضة على وجه الإرفاق ووجه المغابنة كالإقالة والشركة والتولية فإن وقع على وجه الرفق فإنه يصح أن يلي البيع في الطعام قبل القبض