يقتضي اختصاص هذه السكنى بمدة العدة، وأنها أمر لازم لها وبدل من الاعتداد في بيت زوجها.
وقد روي أن ذلك كان لبذاء في لسانها.
وقد قال سعيد بن المسيب لما سأله ميمون بن مهران عن المطلقة ثلاثا أين تعتد فقال في بيت زوجها فقال له ميمون فأين حديث فاطمة بنت قيس فقال له سعيد تلك امرأة فتنت الناس إنها كانت لسنة قال القاضي أبو إسحاق: إن البذاء، والشر العظيم بين المرأة وزوجها مما يقتضي إخراجها من مسكنه إلى غيره وتعلق في ذلك بقوله تعالى ﴿لا تخرجوهن من بيوتهن ولا يخرجن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة﴾ [الطلاق: 1] ، وهذا يقتضي أن من هذه الفاحشة المبيحة للخروج ما ليست بمبينة وليس كذلك الزنى في قول من قال إن الفاحشة الزنى؛ لأن أمر الزنى واحد إذا غابت الحشفة وجب الرجم وإلى هذا ذهب ابن عباس وقال: الزنى الفاحشة كما يقولون أخرجت فرجمت، وإنما الفاحشة النشوز وسوء الخلق والله أعلم وقال القاضي أبو محمد: إذا كثر مثل هذا من النشوز بينهما، والأذى ولم يطمع في إصلاحه انتقلت المرأة إلى مسكن غيره.
وقد روى ابن أبي الزناد عن عائشة - رضي الله عنها - «في قصة فاطمة بنت أبي قيس أنها كانت في مكان وحش فخيف على ناحيتها فلذلك ترخص لها رسول الله - صلى الله عليه وسلم -» وقال القاضي أبو إسحاق، وهذا الذي رواه ابن أبي ذئب مما يبيح للمرأة إذا وقع أن تنتقل من ذلك الموضع إلى غيره كما قيل في البدوية المعتدة أنها تستوي مع أهلها حيث استووا في الجملة، فإن هذه الأقوال كلها تدل على أنه لا يباح لها الانتقال إلا لعذر، وإن اختلفوا في تعيين العذر والله أعلم وأحكم.
(فصل) :
وقوله: «رجل أعمى تضعين ثيابك عنده» يقتضي أنه يشق على المرأة القعود على حالة يباح للناس النظر إليها معها، وأنه لا يجوز لها الخروج عنها مع نظر الناس إليها، والمكفوف الأعمى لا ينظر إليها فلا حرج في ترك ستر شعرها وغير ذلك مما لا يباح للرجل أن ينظر إليه من غير ذي محرمه ويقتضي ذلك أنه ليس على النساء حرج في النظر إلى الرجل على غالب أحواله التي يكون عليها جالسا ومتصرفا بين الناس؛ لأنه إنما راعى - صلى الله عليه وسلم - إزالة الحرج عنها في التستر لكونه أعمى وكانت هي بصيرة فلم ينكر نظرها إليه.
وقد روى نبهان مولى أم سلمة عن «أم سلمة كنت أنا وميمونة جالستين عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فاستأذن عليه ابن أم مكتوم الأعمى فقال احتجبا منه فقلنا: يا رسول الله أليس بأعمى لا يبصرنا فقال: أفعمياوان أنتما» غير أن نبهان مولى أم سلمة غير معروف ولم يرو عنه غير هذا الحديث وحديث آخر وحديث فاطمة صحيح وروي عنه حديث آخر منكر أيضا وروي عن أم سلمة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في «المكاتب إذا كان عنده ما يؤديه في كتابته احتجبت منه سيدته» ، وعلى أنه قد قال أبو داود السختياني حديث نبهان خاص لأزواج النبي - صلى الله عليه وسلم -؛ لأن «النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لفاطمة بنت قيس اعتدي عند ابن أم مكتوم، فإنه رجل أعمى تضعين ثيابك عنده» ، والأظهر عندي أن الحديث غير ثابت ويحتمل أن يكون ذلك للضرورة مع كونه ممنوعا مع عدمها ويحتمل أن يكون ذلك لأن الرجل له عورة مخصوصة فإذا سترها لم يحرم النظر إليه وجميع المرأة عورة إلا وجهها وكفيها فإذا كشفت بعض ذلك ولم يكن ثم من ينظر إليها جاز لها ذلك ولم يجز في موضع يكون فيه من ينظر إليها؛ لأنه ناظر إلى عورة منها، والوجه، والكفان، وإن قلنا: ليسا بعورة منها، فإنه لا يجوز لأجنبي النظر إليهما إلا على وجه مخصوص فحكم المنع متعلق بها، والإباحة مختصة بها في حكم الأجنبي فذلك منها كجميع جسد الرجل خلا ما يوصف بالعورة منه على وجه التغليظ، والتخفيف فيجوز للمرأة أن تنظر إليه على وجه ما، وأما قوله تعالى ﴿وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن ويحفظن فروجهن﴾ [النور: 31]