غير جائز ولا مباح ولو كان جائزا ترك الوفاء بالنذر لما عاب به القرن.
(فصل) :
وقوله إن أمي ماتت وعليها نذر يحتمل أن يكون مطلقا ويحتمل أن يكون مقيدا فالمطلق مثل أن يقول المكلف لله علي نذر ولا يجعل له مخرجا والمقيد مثل أن يقول لله علي نذر صوم يوم أو صلاة ركعتين أو صدقة بدينار أو حج أو غير ذلك من أعمال البر فكلا النذرين جائز فإن كان مطلقا فإن فيه كفارة يمين عند مالك وعن الشافعي في ذلك قولان أحدهما أنه لا ينعقد هذا النذر والثاني أنه ينعقد ويجب عليه أقل ما يقع عليه الاسم والدليل على صحة انعقاده قوله تعالى ﴿وليوفوا نذورهم﴾ [الحج: 29] ودليلنا من جهة السنة خبر ابن عباس هذا وفيه من قول سعد إن أمي ماتت وعليها نذر والأظهر أنه مطلق لأنه لو كان مقيدا لاستفسره النبي - صلى الله عليه وسلم - عما نذر لأن من النذر المقيد ما يجب الوفاء به ومنه ما لا يجب الوفاء به وهو أن يكون مباحا ومنه ما لا يحل الوفاء به وهو أن ينذر محرما فلما كان النذر المقيد يتنوع إلى ما لا يجوز وإلى ما يجوز كان الأظهر أنه لو كان مقيدا لسأله عن وجه نذرها ليميز منه ما يجوز مما لا يجوز وبحسب ذلك يكون الجواب ولما لم يسأل كان الأظهر أنه النذر المطلق الذي لا يكون منه ما يجوز وما لا يلزم ودليلنا من جهة القياس أنه نذر قصد به القربة فوجب أن يتعلق به الوجوب أصل ذلك إذا كان مقيدا بما فيه قربة.
(فصل) :
وإذا قلنا إن نذر أم سعد من جهة اللفظ يصح أن يكون مطلقا ويصح أن يكون مقيدا فقد مضى الكلام في النذر المطلق فأما المقيد فإنه قد يقيد بما فيه قربة ويقيد بمباح لا قربة فيه ويقيد بمحرم فإذا قيد بما فيه قربة فإنه يلزم وإن لم يعلق بشرط ولا صفة مثل قوله لله علي أن أصلي صلاة أو أصوم صوما وقال بعض أصحاب الشافعي لا يلزم النذر وإن كان مقيدا إلا أن يعلق بشرط أو صفة مثل أن يقول لله علي صوم يوم أو صلاة أو صدقة إن قدم غائبي أو نزل المطر اليوم أو فرج عن المريض، والدليل على ما نقوله قوله تعالى ﴿يوفون بالنذر ويخافون يوما﴾ [الإنسان: 7] ولم يفرق بين التعلق بصفة ولا بغير صفة فيجب أن يحمل على عمومه ودليلنا من جهة السنة ما روي عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه قال «من نذر أن يطيع الله فليطعه ومن نذر أن يعصيه فلا يعصه» ودليلنا من جهة القياس أنه ألزم نفسه من جهة النذر ما يلزم الوفاء بجنسه فوجب أن يلزمه أصل ذلك إذا علق بصفة.
(مسألة) :
ويلزم النذر على وجه اللجاج والغضب وقال الشافعي هو مخير في نذره على اللجاج بين أن يكفر كفارة يمين وبين أن يفي به والدليل على صحة ما نقوله قوله تعالى ﴿أوفوا بالعقود﴾ [المائدة: 1] والوفاء بها أن يأتي بها على حسب ما التزمها ودليلنا من جهة السنة قوله - صلى الله عليه وسلم - «من نذر أن يطيع الله فليطعه» ودليلنا من جهة القياس أن هذه حال يلزم فيها الوفاء بالطلاق والعتاق فلزم فيها الوفاء بسائر القرب كحال الرضى.
(مسألة) :
وأما إذا نذر أمرا مباحا كالجلوس والقيام والاضطجاع فلا يلزمه بذلك شيء وبه قال أبو حنيفة والشافعي وقال ابن حنبل هو مخير بين فعله وبين كفارة يمين ودليلنا على صحة ما نقوله أن هذا نذر ما ليس بقربة فلم ينعقد نذره أصل ذلك إذا نذر معصية.
(فصل) :
وقوله إن أمي ماتت وعليها نذر لم تقضه يحتمل أنها لم تقضه ولم يجب عليها بعد وإن كانت قد انعقدت يمينها به ويحتمل أنها لم تقضه وقد وجب عليها فأما إن لم تكن قضته لأنه لم يجب عليها بمثل أن تقول لله علي نذر إن قدم فلان أو إن شفي فلان أو إن جاء فلان هذا الشهر فماتت قبل ذلك فإنه لا يلزمها قضاؤه وإن فعلت فحسن مثل ما روي عن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - أنه قال لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - «إني نذرت اعتكاف يوم في الجاهلية فقال له - صلى الله عليه وسلم - أوف بنذرك فأمره»