تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ضربين: منه ممنوع على وجه التحريم ومنه ممنوع على وجه الكراهية وأما المغاربة من المالكيين ففي كتاب ابن المواز عن مالك السبع والنمر والفهد محرمة بالسنة والذئب والثعلب والهر مكروهة وقد يوجد من قول ابن القاسم وروايته عن مالك أن ذلك كله على الكراهية مثل رواية العراقيين استدل شيوخنا في ذلك بقوله تعالى ﴿قل لا أجد في ما أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دما مسفوحا أو لحم خنزير فإنه رجس﴾ [الأنعام: 145] فليست لحوم السباع مما تضمنته الآية فوجب أن لا يكون محرما ودليلنا من جهة القياس أن هذا سبع فلم يكن محرما كالضبع والثعلب.

(فصل) :

وقوله - صلى الله عليه وسلم - «أكل كل ذي ناب من السباع حرام» وهذا نص في التحريم وقد أجاب عنه أبو بكر بن الجهم وغيره بأن سفيان غير معلوم الحفظ.

وقد روى الزهري حديث أبي ثعلبة الخشني فلم يذكر لفظ التحريم وليس هذا بصحيح من الاعتراض لأن مالكا أخرجه في موطئه وهذا يدل على تصحيحه له والتزامه له لا أن يكون عنده في ذلك تأويل وأما مخالفة لفظ حديث الزهري له فليس باعتراض صحيح لجواز أن يكون أبو هريرة نقل لفظ التحريم ونقل أبو ثعلبة لفظ النهي.

وقد أجاب عنه بعض أصحابنا بأن قوله تعالى ﴿قل لا أجد في ما أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه﴾ [الأنعام: 145] الآية عام في نفي كل محرم غير ما تضمنت الآية تحريمه إلا أن يدل دليل على تحريم ما لا تتضمنه الآية كما دلت آية الخمر على تحريمها وإن لم يكن ذلك في هذه الآية وحديث لحوم السباع عام في تحريمها على كل أكل فتحمل الآية على عمومها ويخص بها حديث تحريم لحوم السباع وتحمله على المحرمين وكان ذلك أولى لأن الآية مقطوع بصحتها وكان التعليق بعمومها أولى من التعلق بعموم مظنون وهو عموم الخبر فإن قيل: فما فائدة تخصيص لحوم السباع وسائر لحوم الوحش محرمة على المحرمين؟ فالجواب أنه لا يمنع بأن يخص نوعا من الجنس دون جميعه ليجتهد في إلحاق الباقي به أو مخالفته له كما يقولون أنه نهى عن أكل كل ذي ناب من السباع وخص بذلك التحريم وإن كان غيره من الحيوان عندكم حراما لم ينص عليه وجواب ثان وهو أنه خص لحوم السباع بالذكر لما كانت مما أبيح للمحرم قتلها ابتداء لئلا يعتقد أنها بمنزلة بهيمة الأنعام في استباحة لحومها لما كانت بمنزلتها في استباحة قتلها والأصل عندي في هذا أن يخص الحديث بقوله تعالى ﴿فكلوا مما أمسكن عليكم واذكروا اسم الله عليه﴾ [المائدة: 4] .

فالآية عامة في كل الحيوان وخاصة في الإمساك وحديث أبي هريرة خاص في السباع وعام في أحوالها فنجمع بينها ونخص الحديث ونحمله على الميتة منها بدليل خصوص الآية فيما أمسك علينا وكان ذلك أولى من تخصيص الآية بالحديث لمعنيين:

أحدهما: أن الآية معلومة والحديث ليس بمعلوم والثاني أن عموم الآية لم يدخله تخصيص وعموم الحديث قد دخله تخصيص في الضبع والثعلب عندنا وعند الشافعي ووجه ذلك أن الأغلب من هذه السباع العادية أنها لا يتمكن منها إلا بعد فوات ذكاتها فخرج الحديث على الأغلب من أحوالها فهذا الذي يمكن أن يقال في ذلك ورواية من روى عن مالك التحريم أظهر لحديث أبي هريرة وهو نص في التحريم وخاص في السباع.

وقد قال القاضي أبو إسحاق في مبسوطه: أحسب أن مالكا حمل النهي عن أكل كل ذي ناب من السباع على النهي عن أكلها خاصة لأن عبيدة بن سفيان روى عن أبي هريرة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «أكل كل ذي ناب من السباع حرام» فذهب مالك إلى أن النهي مختص بالأكل وإن التذكية طهر لغير الآكل فقال لا بأس بجلود السباع المذكاة أن يصلي عليها.

(مسألة) :

إذا قلنا بتحريم لحوم السباع العادية فقد روى ابن حبيب عن مالك أن

المنتقى شرح موطأ · الجزء ٣ · الصفحة ١٣١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

المنتقى شرح موطأج ٣ · ص ١٣١