المثل من النعم وذلك يقتضي أنهما يحكمان به هديا وهذا يوجب اختصاصه بالمثل من النعم هذا الذي أورده شيوخنا في هذه المسألة.
قال القاضي أبو الوليد - رضي الله عنه - وعندي أنه يصح أن يقال: فيه إن قوله تعالى ﴿فجزاء مثل ما قتل من النعم﴾ [المائدة: 95] أن المثل هاهنا صفة للمقتول فكأنه قال فجزاء مثل هذا المقتول من النعم بمعنى قصر جزاء مثل هذا المقتول على النعم على وجه الهدي ولو كان المثل متعلقا بالنعم لقال فجزاؤه مثله من النعم أو مثل المقتول من النعم فهذا الظاهر للفظ إلا أن يمنع منه إجماع أو غيره من الأدلة مما يوجب العدول عن الظاهر وإذا كان الجزاء من النعم والمثلى عائدا إلى المقتول من الصيد؛ لأنه مضاف إليه كان نصا في وجوب إخراج النعم ولم يجز أن يقال إن معنى المثل القيمة ولو كان ذلك سائغا في كلام العرب؛ لأنه قد قصر الجزاء على النعم ولم يصرفه إلى قيمة ولا غير ذلك إلا إلى النعم خاصة ودليلنا من جهة السنة ما رواه جابر بن عبد الله أن «النبي - صلى الله عليه وسلم - سئل عن الضبع فقال: هي صيد وجعل فيها كبشا» .
فوجه الدليل من ذلك أنه - صلى الله عليه وسلم - جعل في الضبع كبشا وأبو حنيفة يجعل فيها القيمة، ودليلنا أيضا إجماع الصحابة على ذلك فقد روي عن ابن عباس أن عمر قضى وعثمان بن عفان وعلي بن أبي طالب وزيد بن ثابت ومعاوية بن أبي سفيان في النعامة ببدنة من الإبل، وهؤلاء الخلفاء والأئمة المشهورون قضوا بذلك في آفاق مختلفة وأزمان مفترقة تختلف فيها القيم مع علم كل أحد أن قيمة البدنة أكثر من قيمة النعامة وشاعت قضاياهم بذلك في الآفاق والأمصار فلم يعلم لهم مخالف ولا منكر لحكمهم فثبت أنه إجماع ودليلنا من جهة القياس: أن هذا حيوان يخرج على وجه التكفير فلم يخرج بالقيمة كالرقبة في كفارة القتل.
(مسألة) :
إذا ثبت ذلك فإن الواجب مثل الصيد في النعامة بدنة وفي الفيل بدنة وفي بقر الوحش وحمار الوحش بقرة وفي الضبع شاة وفي الظبي شاة وليس فيما دونه من الصغير هدي.
وقد اختلف في الضب فروى ابن وهب عن مالك فيه شاة وروى عنه ابن وهب قيمته طعام أو صيام وحكى القاضي أبو الحسن أن مثل الثعلب على قياس المذهب شاة وفي كتاب محمد عن ابن القاسم ما يقتضي إلا مثل له من النعم وأن فيه الإطعام وأما الأرنب واليربوع ففي كتاب ابن حبيب عن مالك في كل واحد منهما عنز وقال مالك في المختصر يحكم فيهما بالاجتهاد؛ لأنه لا مثل لهما في الخلقة يريد من النعم.
(مسألة) :
وهذا حكم الصيد كله إلا حمام مكة فقد قال مالك فيه شاة وبه قال عمر وابن عباس وابن عمر وسعيد بن المسيب وقتادة وقال أبو حنيفة ليس فيها إلا قيمتها وبه قال النخعي، والدليل على صحة ما قاله مالك أنه إجماع الصحابة حكم به عمر وأفتى به ابن عمر في المواسم فلم ينكر ذلك أحد ولا خالفه فثبت أنه إجماع ودليلنا من جهة المعنى أن الشاة في الحمامة ليست من جهة الصورة ولكن على وجه التغليظ لحرمة مكة فألحقت بما له مثل من النعم في الهدي، وأقل ذلك شاة.
(مسألة) :
وأما حمام الحل فحكمه حكم سائر الطير يضمن بقيمته وبه قال قتادة وقال الشافعي في حمام الحل شاة وبه قال عطاء والدليل على ما نقوله أن هذا مما لا مثل له من النعم ولا له حرمة الاختصاص بالبيت أو بالحرم فلم تجب فيه شاة كالعصفور.
(مسألة) :
إذا ثبت ذلك فقد اختلف أصحابنا في حمام الحرم فقال مالك فيه شاة وبه قال ابن الماجشون وأصبغ وقال ابن القاسم فيه حكومة.
وجه قول مالك أن هذا حمام متحرم بالحرم فكانت فيه شاة كحمام مكة.
ووجه قول ابن القاسم أن هذا حمام لا يختص بالبيت كحمام الحل.
(مسألة) :
وقاري الحرم ويمامه عند أصبغ بمنزلة حمام الحرم، وقال ابن الماجشون إن هذا الحكم يختص بالحمام دون غيره.
وجه قول أصبغ أن هذه أنواع من الحمام فكان فيها شاة كالحمام.
ووجه قول ابن الماجشون أن