السير يجمع بين المغرب والعشاء وجميع ما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في الجمع إنما هو إخبار عن فعله وليس فيه شيء من قوله والفعل لا يحتمل العموم وإنما يقع على وجه واحد فيحتمل أن يكون ذلك لشدة السير ويحتمل غيره وأما الجمع لغير عذر عند جماعة أصحابنا وجمهور الفقهاء فإن فعل فقد روي عن ابن القاسم في المجموعة من جمع بين العشاءين في الحضر من غير مرض أعاد الثانية أبدا يريد إن صلاها قبل مغيب الشفق.
وقال أشهب أحب إلي أن لا يجمع بين الظهر والعصر في سفر ولا حضر إلا بعرفة ومع ذلك فإن للمسافر في جمعها ما ليس للمقيم وإن لم يجد به السير وله إذا جد به السير من الرخصة ما ليس له إذا لم يجد به وللمقيم أيضا في ذلك رخصة وإن كان الفضل في غير ذلك إلا أن له الرخصة لأنه صلى في أحد الوقتين اللذين وقت جبريل - عليه السلام - وقد منع من الجمع بين الصلاتين إلا بعرفة والمزدلفة أبو حنيفة والدليل على ما نقوله حديث معاذ بن جبل «أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان في غزوة تبوك إذا زاغت الشمس قبل أن يرتحل جمع بين الظهر والعصر فإن رحل قبل أن تزيغ الشمس أخر الظهر حتى ينزل إلى العصر وفي المغرب مثل ذلك إن غابت الشمس قبل أن يرتحل جمع بين المغرب والعشاء وإن ارتحل قبل أن تغيب الشمس أخر المغرب حتى ينزل للعشاء ثم جمع بينهما» ودليلنا من جهة القياس أنه سفر تقصر به الصلاة فجاز أن يجمع فيه بينهما فالجمع بين الظهر والعصر بعرفة وفي الجملة أن هذا مبني على اشتراك الصلاتين في الوقت فهو وقت اختيار للظهر ووقت ضرورة للعصر.
(مسألة) :
إذا ثبت ذلك فإن الجمع في السفر بين الظهر والعصر على وجهين:
أحدهما: أن يرتحل عند الزوال فيجمع حينئذ بين الصلاتين الظهر والعصر.
والثاني: أن يرتحل قبل الزوال فيؤخر الظهر إلى آخر وقتها فيصليها ثم يصلي بعدها العصر في أول وقتها والدليل على ذلك حديث معاذ بن جبل المتقدم.
ومعنى ذلك أن الجمع بين الصلاتين إنما شرع للرفق بالمسافر لمشقة النزول والركوب عليه والتأخر عن أصحابه ولم يجز أداء الفريضة على الراحلة فخفف عليه الجمع بينهما في وقتهما وللصلاة وقتان وقت اختيار وقد ذكرناه ووقت ضرورة وهو ما ذكره القاضي أبو إسحاق في مبسوطه أن ما بعد الزوال بمقدار ما تؤدى فيه الظهر وقت يختص بالظهر وما قبل غروب الشمس بمقدار ما تؤدى فيه العصر وقت يختص بالعصر وما بينهما وقت مشترك بينهما وكذلك المغرب والعشاء على هذا الترتيب ولذلك «صلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الظهر والعصر بعرفة بعد الزوال والمغرب والعشاء بالمزدلفة بعد مغيب الشفق» فإن ركب راحلته وسار قبل الزوال شرع له أن يجمع بينهما في الوقت المختار لهما وهو إذا كان ظل كل شيء مثله لأن مشقة النزول لا بد منها فيجب أن يكون الجمع في أولى الوقت بالصلاتين وهو الوقت المختار لهما أن يبتدئ الظهر والفيء قامة أو تنقضي والفيء قامة ثم يصلي بإثرها العصر ويجمع بين المغرب والعشاء عند مغيب الشفق لأنه وقت لهما يشتركان فيه قاله أشهب في المجموعة.
ووجه ذلك فيهما أن تنقضي المغرب وقد غاب الشفق أنه يبتدئ حينئذ ثم يصلي بإثرها العشاء وذلك في الظهر والعشاء أجوز لأن المغرب إنما ذكر لها وقت واحد قاله أشهب في المجموعة وإنما يستويان على قول من قال إن للمغرب وقتين قال الإمام أبو الوليد - رضي الله عنه - وهو الأظهر عندي.
(مسألة) :
وإذا ركب بعد الزوال وبعد أن حانت صلاة الظهر جوز له أن يجمع بينهما فيصلي الظهر في وقتها المختار والعصر في وقت ضرورتها قاله ابن القاسم في المدونة وكان ذلك مبالغة في الرفق لأنه لا يحتاج إلى النزول فكان أخف عليه من أن ينزل بعد ذلك في وقتها المختار وإذا رحل قبل الزوال فلا بد له من النزول فكان نزوله في الوقت