بلغ فسقه ما بلغ في الجمعة دون غيرها والأول أظهر لأنه يعتبر في صفات إمام الجمعة ما لا يعتبر في غيره وإذا كان الفسق يمنع إمامته في غير الجمعة فبأن يمنع ذلك في الجمعة أولى.
(فرع)
وهل من صفاته أن يكون مقيما قال ابن القاسم لا يؤم المسافر ابتداء ولا مستخلفا وقال أشهب وسحنون يؤم في الحالتين وقال ابن الماجشون ومطرف يؤم مستخلفا ولا يؤم ابتداء.
وجه ما قاله ابن القاسم أنه ليس من أهلها كالمرأة.
ووجه ما قاله أشهب أنه لما أتاها صار من أهلها ولم يكن فيه نقص يمنعه من التقدم فيها كالإمام بقرية من عمله وهو مسافر.
ووجه ما قاله ابن الماجشون أنه إذا عقد المسافر مع الإمام إحرامه فقد لزم حكم الجمعة وثبت كونه من أهلها فصح أن يستخلف على إتمامها وإذا لم ينعقد إحرامه مع الإمام لم يثبت له حكمها ولم يصح إمامته فيها.
(فصل) :
وأما الجماعة فشرط في وجوب الجمعة ولا حد لها عند مالك إلا أن يكونوا عددا تتقرى بهم قرية وتمكنهم الإقامة بانفرادهم ومنع ذلك في الثلاثة والأربعة.
وقال أبو حنيفة تنعقد بالإمام وثلاثة معه وقال الشافعي لا تنعقد إلا بأربعين مع الإمام والدليل على أبي حنيفة أن الجمعة لما كان من شرطها الإقامة بدليل سقوطها عن أهل الظعن وجب أن يكون من شرط وجوبها من يمكنه الإقامة من الجمع ومعلوم أن ذلك لا يمكن في الاثنين والثلاثة والأربعة فوجب أن لا تنعقد بهم الجمعة وقد استدل أصحابنا في ذلك على الشافعي بما روي عن جابر بن عبد الله قال «بينما نحن نصلي مع النبي - صلى الله عليه وسلم - إذ أقبلت عير تحمل طعاما فانفضوا إليها حتى ما بقي مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلا اثنا عشر رجلا فنزلت هذه الآية ﴿وإذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها وتركوك قائما﴾ [الجمعة: 11] » واستدلالهم بهذا الحديث على ضعف التعلق به يقتضي إجازتهم للجمعة من اثني عشر رجلا مع الإمام والذي يجب أن يعتمد عليه من الدليل أن هذا عدد يصح منهم الانفراد بالاستيطان فصح أن تنعقد بهم الجمعة كالأربعين رجلا.
(فرع)
ومن صفتهم أن يكونوا ممن تجب عليهم الجمعة فإن كانوا مسافرين أو عبيدا لم تنعقد بهم لأنهم ليسوا من أهلها وقال أشهب في الإمام يفد من عنده فلم يبق إلا نساء أو عبيد فليصل يوم الجمعة ركعتين هذا يحتمل أن يرى أن الجمعة تنعقد بهم ويحتمل أن يكون حكم الجمعة قد ثبت بالإحرام والله أعلم.
(فرع)
وهل من شرط هذه الجماعة أن تحضر جميع الصلاة قال أشهب إن عقد الإمام معهم ركعة ثم تفرقوا عنه بعد ذلك أتم الجمعة ركعتين قال ابن سحنون هو القياس.
وقال سحنون في المجموعة لا تصح له الجمعة ولو تفرقوا عنه في التشهد حتى يبقى معه من الرجال الأحرار المقيمين عدد تنعقد بهم الجمعة وإن لم يبق معه إلا عبيد أو مسافرون جعلها نافلة وسلم وانتظر الجماعة.
وجه القول الأول أنه ليس من شرط الجمعة أن يؤتى بجميع الصلاة مع الإمام وأنها من شرطها أن ينعقد منها ركعة مع الإمام ولذلك من أدرك منها ركعة مع الإمام جاز له أن يقضي الركعة الأخرى وحده.
ووجه القول الثاني أن الجماعة شرط من شروط الجمعة فلم يجز أن يعرى عنها شيء منها كالجامع ولا يلزم على هذا من فاتته ركعة من صلاة الإمام لأن صلاة الإمام قد كملت بشروطها في مسألتنا بخلافه.
(فصل) :
وأما الخطبة فهي شرط في صحة الصلاة بعد وجوبها وبه قال أبو حنيفة والشافعي.
وقال ابن الماجشون في رواية أبي زيد عنه من ترك الخطبة على أي وجه تركها فإن جمعته ماضية ورواه عن مالك في الثمانية وبه قال داود والدليل على صحة ما ذهب إليه الجمهور ما نقلته الأمة من فعل النبي - صلى الله عليه وسلم - وأفعاله على الوجوب وقال مطرف في الثانية أن تركها على أي وجه كان أعاد أبدا