41، أن الأحبار كانوا يعلمون دينهم بالأجرة فنهوا عن ذلك. ثم قال: وهذه الآية وإن كانت خاصة ببنى إسرائيل فهى تتناول من فعل فعلهم، فمن أخذ رشوة على تغيير حق أو إبطاله أو امتنع من تعليم ما وجب عليه أو أداء ما علمه وقد تعين عليه حتى يأخذ عليه أجرا فقد دخل فى مقتضى الاية. وقد روى أبو داود أن النبى صلى الله عليه وسلم قال " من تعلم علما مما يبتغى به وجه الله عز وجل لا يتعلمه إلا ليصيب به عرضا من الدنيا لم يجد عرف الجنة يوم القيامة " يعنى ريحها. ثم قال القرطبى: وقد اختلف العلماء فى أخذ الأجرة على تعليم القرآن والعلم لهذه الآية وما كان فى معناها، فمنع ذلك الزهرى وأصحاب الرأى فقالوا: لا يجوز أخذ الأجرة على تعليم القرآن، لأن تعليمه واجب من الواجبات التى يحتاج فيها إلى نية التقرب والإخلاص، فلا يؤخذ عليها أجرة كالصلاة والصيام، وقد قال تعالى ﴿ولا تشتروا بآياتى ثمنا قليلا﴾ وروى ابن عباس أن النبى صلى الله عليه وسلم قال " معلمو صبيانكم شراركم، أقلهم رحمة باليتيم وأغلظهم على المسكين (1) " وعن أبى هريرة فى المعلمين " درهمهم حرام وثوبهم سحت وكلامهم رياء" وروى عبادة بن الصامت أنه علم ناسا من أهل الصفة القرآن والكتابة، فأهدى إليه رجل منهم قوسا رأى أنها ليست بمال وأنه يرمى بها فى سبيل الله، فسأل الرسول عن ذلك فقال " إن سرك أن تطوق بها طوقا من نار فاقبلها". وأجاز أخذ الأجرة على تعليم القرآن مالك والشافعى وأحمد وأبو ثور وأكثر العلماء، لحديث البخارى " إن أحق ما أخذتم عليه أجرا كتاب الله " وهو نص يرفع الخلاف فينبغى أن يعول عليه. ثم قال القرطبى:
وأما ما احتج به المخالف، من القياس على الصلاة والصيام ففاسد لأنه فى مقابل النص، ثم إن بينهما فرقانا، وهو أن الصلاة والصيام عبادات مختصة بالفاعل، وتعليم القرآن عبادة متعدية لغير المعلم، فتجوز الأجرة على محاولته النقل، كتعليم كتابة القرآن. قان ابن المنذر: وأبو حنيفة يكره تعليم القرآن بأجرة، ويجوز أن يستأجر الرجل يكتب له لوحا أو شعرا أو غناء معلوما بأجر معلوم، فيجوز الإجارة فيما هو معصية ويبطلها فيما هو طاعة. وأما الجواب عن الآية فالمراد بها بنو إسرائيل، وشرع من قبلنا هل هو شرع لنا؟ فيه خلاف، وهو لا يقول به. وجواب ثان وهو أن تكون الآية فيمن تعين عليه التعليم فأبى حتى يأخذ عليه أجرا، فأما إذا لم يتعين فيجوز له أخذ الأجرة بدليل السنة فى ذلك، وقد يتعين عليه إلا أنه ليس عنده ما ينفقه على نفسه ولا على عياله فلا يجب عليه التعليم وله أن يقبل على صنعته وحرفته، ويجب على الإمام أن يعين لإقامة الدين إعانته، وإلا فعلى المسلمين، لأن الصديق رضى الله عنه لما ولى الخلافة وعين لها لم يكن عنده ما يقيم به أهله فأخذ ثيابا وخرج إلى السوق، فقيل له فى ذلك، فقال: ومن أين أنفق على عيالى؟ فردوه وفرضوا له كفايته. وأما الأحاديث فليس شىء منها يقوم على ساق، ولا يصح منها شىء عند أهل العلم بالنقل، أما حديث ابن عباس فرواه سعد بن طريف عن عكرمة عنه، وسعيد متروك. وأما حديث أبى هريرة فرواه على بن عاصم عن حماد بن سلمة عن أبى جرهم عنه، وأبو جرهم مجهول لا يعرف، ولم يرو حماد بن سلمة عن أحد يقال له أبو جرهم. وإنما رواه عن أبى المهزم وهو متروك الحديث أيضا، وهو حديث لا أصل له، وأما حديث عبادة بن الصامت فرواه أبو داود من حديث المغيرة بن زياد الموصلى عن عبادة بن نسى عن الأسود بن ثعلبة عنه، والمغيرة معروف عند أهل العلم ولكن له مناكير، هذا منها، قاله أبو عمر. ثم قال: وأما حديث القوس فمعروف عند أهل العلم، لأنه روى عن عبادة من وجهين، وروى عن أبى بن كعب من حديث موسى بن على عن أبيه عن أبى، وهو منقطع. وليس في الباب حديث يجب العمل به من جهة النقل، وحديث عبادة وأبى يحتمل التأويل لأنه جائز أن يكون علمه لله ثم أخذ عليه أجرا، وروى عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال " خير الناس وخير من يمشى على جديد الأرض المعلمون، كلما خلق الدين - صار قديما - جددوه، أعطوهم ولا تستأجروهم فتحرجوهم، فإن المعلم إذا قال للصبى: قل بسم الله الرحمن الرحيم، فقال الصبى بسم الله الرحمن الرحيم كتب الله براءه للصبى وبراءة للمعلم وبراءة لأبويه من النار". انتهى ما قاله القرطبى، لكنه لم يذكر درجة هذا الحديث، وهو إن كان ضعيفا يعمل به فى فضائل، الأعمال. يتلخص من هذا، أن الأجر على تعليم القرآن جائز إن لم يتعين عليه، وكذلك إن تعين عليه لكنه مشغول بتحصيل قوته فيجعل له بيت المال أو المسلمون ما يجعله متفرغا للتعليم، ثم قال القرطبى " ص 337": واختلف العلماء فى حكم المصلى بأجرة، فروى أشهب عن مالك أنه سئل عن الصلاة خلف من استؤجر فى رمضان يقوم للناس - صلاة التراويح وقيام الليل - فقال: أرجو ألا يكون به بأس، وهو أشد كراهة له فى الفريضة. وقال الشافعى وأصحابه وأبو ثور: لا بأس بذلك ولا بالصلاة خلفه. وقال الأوزاعى: لا صلاة له، وكرهه أبو حنيفة وأصحابه.