تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الجواب

إن الأصل فى جواز الوقف وشرعيته هو قول رسول الله صلى الله عليه وسلم لعمر رضى الله عنه حينما شاوره فى أرض له بخيبر، حبس أصلها وسبل الثمرة) ، وقد اختلف أفهام الأئمة وفقهاء المذاهب المعتبرة فى معنى هذا الأثر ومداه تبعا لاختلاف ما وصل إلى كل منهم من الروايات لهذا الحديث، وما روى من آثار أخرى عن وقوف لبعض الصحابة رضى الله عنهم.

وتبعا كذلك لاختلاف مداركهم لمدلول تلك الآثار، ولقد أدى هذا إلى اختلافهم فى خصائص الوقف وحقيقته اختلافا بينا واسع المدى، ولعل فقهاء المذاهب الإسلامية لم يتخلفوا على عقد من العقود الشرعية اختلافهم فى الوقف.

ونوجز عناصر كل ذلك فيما يلى اتفاق واختلاف اتفقت كلمة الفقهاء على أن وقف المسجد صحيح نافذ لازم متى توافرت الشروط، ولا يعرف - فيما طالعنا من كتب الفقه التى بأيدينا أن أحدا منهم خالف فى أصل صحة وقف المسجد ولزومه بشروطه وإن تفاوتوا فى بعض الأحكام التفصيلية.

أما وقف غير المسجد فقد تشعبت فيه أقوالهم، فمنهم من قال ببطلانه وهذا مروى عن على بن ابى طالب وعبد الله بن عباس وابن مسعود من فقهاء الصحابة، وبه قال شريح من فقهاء التابعين ومروى أيضا عن الإمام أبى حنيفة وعن أبى جعفر الطبرى، فقط روى عن ابن مسعود قول لا حبس إلا فى سلاح أو كراع، وروى ابن أبى شيبة موقوفا عن على بن أبى طالب رضى الله عنه قوله لا حبس عن فرائض الله إلا ما كان من سلاح أو كراع، وروى الطحاوى فى شرح معانى الآثار أن ابن عباس قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم بعدما أنزلت سورة النساء وأنزل فيها الفرائض نهى عن الحبس وآثار أخرى رواها الطحاوى وابن حزم.

(معانى الآثار ج - 2 ص 649 والمحلى لابن حزم ج - 9 ص 175 وفتح القدير للكمال بن الهمام الحنفى المصرى ج - 5 ص 42) .

وذهب جمهور الفقهاء وأئمة الأمصار إلى جواز وقف غير المسجد وصحته على خلاف بينهم فى لزومه، وفيما يجوز وقفه وما لا يجوز، وحججهم فى هذا مشروحة ومستفيضة فى مواضعها من كتب الفقه.

ومما سلف يتضح أن ما ذهب إليه بعض فقهاء الصحابة والتابعين قول له أدلته، ويصح الاستناد إليه والأخذ به متى دعت إلى ذلك مصلحة الأمة وخيرها، وإن خالف ما عليه جمهور الفقهاء.

أما عدم لزوم الوقف وجواز الرجوع عنه فهو قول افمام أبى حنيفة نفسه فى اصح الروايتين عنه وقول زفر بن الهذيل (المبسوط للسرخسى ج - 12 ص 37 والفتاوى الخانية ج - 3 ص 285 وشرح معانى الآثار للطحاوى ج - 9 ص 175) .

أما لزوم الوقف الصحيح الناجز من وقت حصوله، لا يباع ولا يرهن ولا يوهب ولا يورث ولا ينقض فهو قول باقى الفقهاء على اختلاف بينهم فى لزوم الوقف وعدم لزومه.

ولقد اختلف الفقهاء كذلك فى عقد الوقف، فقالت طائفة إنه يتم بالإرادة المنفردة، ولا يتوقف انعقاده وصحته وثبوت الاستحقاق للموقوف عليه إلى القبول، وطائفة ثانية تقول إن الأصل فى العقود أنها رباط بين متعاقدين وهذا يقتضى اشتراط القبول، والوقف من العقود فلابد فيه من القبول، هذا بينما ذهبت طائفة ثالثة إلى أن الوقف لابد أن يظهر فيه معنى القرية، فى حيز أن طائفة رابعة لا تشترط ذلك.

ثم من قال من الفقهاء إن الوقف عند غير لازم وللواقف فسخه.

قال أيضا إن الزوم وعدمه تابع لمشيئة الواقف، ولا يجبر على إنفاذه لو أراد الفسخ، وأن لوارثته كذلك هذه المشيئة والاختيار.

ومن قالوا بلزوم الوقف متى انعقد صحيحا اختلفوا، فمنهم من جعله لازما بالنسبة للعقد وللشروط وللموقوف ومن وقف عليه، وتبعا لهذا منعوا الواقف من اشتراط الحق فى الاستبدال أو التغيير فى المصارف والشروط، لأن فى هذا منافاة لمقتضى العقد وهو اللزوم، ومنهم من أجاز للواقف اشتراط كل ذلك ورتب عدم لزوم الوقف فيما يشترط فيه التغيير.

فتاوى دار الإفتاء المصرية · الجزء ٧ · الصفحة ٤٠٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فتاوى دار الإفتاء المصريةج ٧ · ص ٤٠٨