الجواب
عن النقطة لأولى ذكر الفقهاء أن المدعى إذا قال للقاضى - عند طلب البينة منه على دعواه - لا بينة لى على الدعوى.
أو ليس عندى على ما أدعى به سوى فلان وفلان وعد شهودا وعينهم، ثم أحضر شهودا فى الصورة الأولى، أو أحضر غير الذين عينهم فى الصورة الثانية، لا يقبل القاضى شهادة الذين أحضرهم ولا يسمع شهادتهم، ولا تثبت الدعوى بشهادتهم إذا سمعت.
وعللوا ذلك بأن المدعى حين ذكر أن لا بينة له أو ليس عنده شهود يعتبر مكذبا لهؤلاء الشهود الذين أحضرهم.
والمقرر أن من شروط صحة الشهادة عدم تكذيب المدعى لشهوده.
ومن ثم لم تقبل شهادتهم وهذا عند الإمام أبى حنيفة. وقال الإمام محمد بن الحسن تقبل شهادة هؤلاء الشهود لاحتمال أن المدعى قد نسى أولا ثم تذكر ثانيا، فلا يحمل ما صدر منه على التكذيب ومثل ذلك ما إذا قال الشاهد لا شهادة لى على هذه الدعوى ثم شهد عليها بعد ذلك لا تقبل شهادته عند أبى حنيفة وتقبل عند محمد والأصح قول محمد وهو قبول الشهادة.
غير أن المشرع المصرى قد رأى الأخذ بالقول المخالف للأصح، ونص فى المادة رقم 191 من المرسوم بقانون رقم 78 سنة 1931 بلائحة ترتيب المحاكم الشرعية على منع القضاة من سماع الشهادة فى الصور المذكور، وعدل بذلك عما هو مقرر أساسا فى المادة رقم 280 من هذا القانون من أن يقضى بأرجح الأقوال من مذهب أبى حنيفة سدا لباب التحايل وإحضار الشهود المأجورين ومنعا للفساد بقدر الإمكان، وطبقا للقول الراجح فى مذهب الحنفية يقبل من المدعى فى حادثة الدعوى أى شهود يحضرهم ممن عينهم ومن غيرهم.
أما فى مذهب المالكية فقد جاء فى الجزء الأول من تبصرة الحكام لابن فرحون المالكى صفحة 41 طبع المطبعة البهية بمصر سنة 1302 هجرية ما يأتى مسألة - قال ابن حبيب قال مطرف فى القاضى يتواضع الخصمان عنده الحجج، فيقول لهما اجتهدا فغنى لسن أقيلكما فيضعان حجتهما ويوقع ذلك فى ديوان القاضى.
ثم يريد أحدهما أن يتحول من حجته إلى حجة أخرى فإنى أرى له أن يقبل الناس من حججهم ولا يظفرها عليهم حججا لا ينتقلون عنها إلى غيرها، لأن الرجل قد يضع حجته فيسقط منها كثيرا نسيانا لها أو عجلا أو حصرا.
إلا أن يستوعب أمر الخصمين بالكشف عن أمرهما ويعجزا أنفسهما ويقولا له ليس عندنا من البينة والحجج إلا الذى وضعناه عندك.
ثم إن القاضى وقف ليستشير فى ذلك فحينئذ إن بدا لأحدهما أن ينتقل عن حجته تلك إلى غيرها تكون أنفع له لم يكن له ذلك إلا أن يرى القاضى لذلك وجها ويثبت عنده عذره، فإن أتى ببينة وكان قد عجز نفسه عنها فإن رأى السلطان أن بينته تلك كانت غائبة عنه غيبة بعيدة أو لم يكن يعرف بها قبل ذلك منه ونظر له ما لم يفصل الحكم بينهما إلى أن قال.
قال فضل بن مسلمة قال ابن عبدوس.
حكى ابن القاسم وغيره من أصحاب مالك رضى الله عنه أنه إذا أتى ببينة لم يكن علم بها أنه يقوم بها.
وهذا النص صريح فى أن المدعى إذا قدم بينة على دعواه وسمع القاضى الشهادة ودونها ثم بدا للمدعى أن يحضر ببينة أخرى على الدعوى فإن المذهب أن تقبل منه البينة ولو كان قد عجز نفسه، أو قال ليس عندى سوى ما قدمت من بينة، لأن الرجل قد يترك شهودا له يعرفون حقه ويشهدون به إما نسيانا أو تعجلا أو حصرا بتأثير الخوف والهيبة، أو عدم معرفة منه بهؤلاء الشهود ثم ينكشف له الأمر ولا يستثنى من ذلك إلا حالة واحدة لا يقبل فيها منه البينة الأخرى وهى ما إذا كان القاضى قد استوثق من أمر المدعى واستقصى ما عنده بكل الطرق وعجز المدعى نفسه وقال ليس عندى من الحجج سوى ما قدمت، وحتى فى هذه الحالة إذا بدا للقاضى أن للمدعى عذرا ووجها فيما قرره وصدر منه وثبت عنده عذره فإن له أن يقبل ببنته فى هذه الحالة، وذلك كله ما لم يكن قد فصل فى الدعوى.